2010-09-03

 532

 

 


المنهج التاريخي في الأدب

 منذ وجدت المدارس الأدبية والفنية، وتأسس النقد الحديث، ظهرت المناهج الأدبية في الدرس والتحليل، وكان أول هذه المناهج المنهج التاريخي الذي اشتغل عليه خلق كثير من الأدباء والنقاد في مطلع القرن العشرين، والمنهج التاريخي من المناهج الخارجية في الأدب يعطي مساحة كبيرة في الدراسة الأدبية للجانب التاريخي، إن هذا المنهج يكاد يطغى على كثير من الدراسات الأدبية التي درست الشعراء والمبدعين، فلا نكاد نقرأ كتاباً في التحليل الأدبي إلا وجدنا صفحات كثيرة كتبت عن تاريخ حياة الشاعر وأسرته وأولاده وعن كل المؤثرات الخارجية التي أثرت في شعره وأدبه، مثل الثقافة والبيئة وأحداث العصر السياسية والاجتماعية، حتى يظن قارئ الكتاب أنه يقرأ كتاباً في التاريخ لا في الأدب لكثرة التفاصيل عن حياة الشاعر، ولكثرة ما يرى في حاشية الكتاب من إحالات إلى كتب ومراجع ومصادر، وبذلك تنطمس معالم الكتاب، إنك اشتريت الكتاب لتقرأ تحليلاً في الأدب واهتماماً في النواحي الفنية، فتجد نفسك أمام كتاب في التاريخ استغرق حديثاً عريضاً عن حياة الشاعر وعن عصره السياسي والاجتماعي وكل الحركات التي كانت في عصره، في حين نجد أن الاهتمام بالناحية الجمالية يكاد يكون معدوماً·

 وللمنهج التاريخي محاذيره الكثيرة نبَّه إليها المشتغلون بالأدب، منها عدم الدقة في نقل الأخبار والروايات الأدبية، إذ الشرط في هذا المنهج توخي الحذر في ذكر الأحداث التاريخية والإحالة إلى المراجع والمصادر الموثوقة، فكم كاتب يحيل إلى فقرة في مصدر من المصادر، فإذا رجعنا إليها نجدها في مظانها، وكم من إحالات إلى مراجع غير دقيقة، وبذلك يقع الخلط ويكون الافتئات ويكون الظلم في إطلاق الأحكام الأدبية على هذا الشاعر أو ذاك·

 ومن هذه المحاذير أيضاً، أنه يشترط لصاحب هذا المنهج الذي يعتمده أساساً لدراسته الأدبية ثقافة واسعة، فهو يتعامل مع كتب التراث، وفطنة نادرة في تفسير الروايات ودراسة أبعادها وغاياتها، فطالما نجد تضارباً في الروايات التاريخية وتحاملاً كبيراً يكتوي بنار التعصب للرأي والهوى والمعتقد·

 إن المنهج التاريخي يبتعد عن التحليل الأدبي ودراسة الأسلوب والسمات الفنية، ويبتعد عن الدراسة الداخلية للنصوص الأدبية، وبذلك يبتعد عن الهدف من دراسة الأدب وهو الاهتمام بالقضايا الفنية والجمالية، ودراسة لغة الشاعر في النص، والأمثلة كثيرة جداً على استخدام المنهج التاريخي والمغالاة في استخدام أصوله المعتمدة، وهذا كله يعد من مساوئ المنهج التاريخي في الدراسات الأدبية·

 من ناحية أخرى يجب ألا نغفل المحاسن التي نراها في المنهج التاريخي ولا أن نغمط من قيمته في دراسة الأدب، فهناك محاسن كثيرة منها أنه يلقي الضوء على النص ويشرح لنا أموراً في النصوص يصعب فهمها لولا الرواية التاريخية ولولا الخبر التاريخي المتعلق بحياة الشاعر· يفيدنا المنهج التاريخي في معرفة مناسبة القصيدة والملابسات التي أثرت في صياغتها، والأجواء التي عاشت فيها والبيئة التي نبتت وأينعت فيها، إننا مثلاً نجهل كثيراً من البواعث التي دفعت المتنبي إلى أن يقول هذه القصيدة أو تلك، وبالرجوع إلى التاريخ وكتب الأخبار نستطيع أن نستجلي الأمر بكل وضوح·

 إننا لا نريد أن نلقي اللوم على المنهج التاريخي، ولكننا نعتب على الذين لا يحسنون استخدامه استخداماً علمياً، فنراهم لا يحسنون الرجوع إلى المصادر الموثوقة ويقبلون أي رواية دون تمحيص وتحقيق، فيلتبس الأمر، وندخل في دائرة الخلط والتدليس، لذلك من أهم شروط المنهج التاريخي الوثوق بالمصدر والانتباه إلى شخصية صاحب المصدر من حيث تفكيره ومعتقده الديني، فكثيراً ما يؤثر ذلك في الأحكام على هذا الشاعر أو ذاك، فمسألة التحامل واردة في هذا المجال· إن التعصب للرأي والهوى والعقيدة كثيراً ما حجبت عنا الحقيقة، ولذلك فإن استخدام المنهج التاريخي ـ كما قلت ـ له محاذيره وثغراته·

 خذ أي كتاب أدبي اصطنع صاحبه المنهج التاريخي، تجده متخماً بالسيرة والتاريخ، مفعماً بالهوامش والحواشي، مكتظاً بالروايات والأخبار، بعيداً عن تلمس النواحي الجمالية في شعر الشاعر أو نثر الأديب، كل همَّه أن يملأ الصفحات الكثيرة في الحديث عن حياته ومؤلفاته، وعن العصر الذي عاش فيه وما جرى فيه من أحداث سياسية وتغيرات اجتماعية وتقلبات فكرية·

 خذ كتابَي >طه حسين< على سبيل المثال >مع المتنبي< و>المعري<، تجد مصداق ما أشرت إليه، إن كتاب >مع المتنبي< أكثر في تاريخ المتنبي، وفي سيرته يرصدها منذ نشأته حتى مقتله، لا تكاد تقع إلا نادراً على لمحة نقدية، أو لمسة جمالية، استغرق الكتابان صفحات طويلة كثيرة في البحث عن عصر >أبي العلاء، والمتنبي<، والبحث عن مشكلات العصر وقضاياه السياسية والاجتماعية التي كانت لها تأثير كبير في شعرهما وتوجيهه في هذا الاتجاه دون ذاك، فإذا الكتابان أدخل إلى كتب التاريخ منه إلى كتب الأدب·

 إن هذا المنهج قديم قد بلت جدته، ويحتاج إلى تقويم وتصحيح وسد الثغرات والفجوات التي تملؤه، نعم، إنه مفيد إذا أحسنت استخدام هذا المنهج، وإذا اهتممت بالنواحي الجمالية، حينئذ يقدم للقارئ الفائدة والمتعة معاً إذا كان هناك قدر كبير من المساواة بين التاريخ والأدب، نستفيد من المنهج التاريخي في الأخبار التي تضيء لنا الشعر وتجلو ما يغمض علينا وما استغلق، نستفيد في معرفة أثر البيئة والعصر في اختيار الشاعر لموضوعات شعره وأثر الثقافة في أسلوبه· ومن جانب آخر، لا يحسن أن نهمل الجانب المالي عند دراسة الشاعر، بنبغي ألا نغفل عن تحليل التراكيب والمستويات الفنية كالمستوى الصرفي والمستوى الإيقاعي والمستوى البلاغي، كما يفعل المنهج التاريخي·

 المنهج التاريخي ينظر إلى النص من الخارج يعكس المؤثرات الخارجية على النص وهذا فيه إجحاف للأدب ودراسته، إذ المفروض أن يكون هناك توازن في استخدام المنهج التاريخي والمنهج الأدبي التحليلي· ولابد أن نبرز خصائص الشاعر الفنية وذلك بعد دراسة ألفاظه ومستوياته اللغوية وتفكيك العلامات اللغوية والوحدات النحوية·

 إن المنهج البنيوي فيه كثير من الإجحاف والطمس لمعالم النص، لماذا كان >المتنبي< يكثر من استخدام اسم الإشارة؟ لماذا كان يكثر من استخدام التصغير؟ لماذا كان يكثر من استخدام الغريب والشاذ في اللغة؟! إن المنهج البنيوي لا يفسر ذلك ولا يقدم إجابات عن هذه الأسئلة، ولا يحل الإشكالات التي يحتوي عليها النص، أما المنهج الخارجي، فيمكنه أن يلقي بعض الجوانب على حياة >المتنبي< الثقافية والنفسية والتاريخية·

 إننا نطلب من كتَّاب الأدب والنقد أن يقدموا لنا صورة حية عن الشاعر، يحللون شعره، ويستخلصون شخصيته من خلال شعره، مستفيدين من المعطيات التاريخية التي تقدمها له كتب التراث، نريد عندما نقرأ كتاباً وضعه صاحبه عن كاتب أو شاعر، أن نجد أمامنا صورة كاملة عنه، شخصيته، وفنه، وجميع المؤثرات والنوازع النفسية والداخلية، على اعتبار أن الشعر يمثل صاحبه أصدق تمثيل، والأدب يصوّر كاتبه أدق تصوير·

 كتاب >المتنبي< للأستاذ >محمود شاكر< خير مثال على المنهج التاريخي في الأدب، ألَّف الكتاب لعرض حياة >المتنبي<، مستخدماً التسلسل الزمني في سرد الأحداث التاريخية، تقرأ كتاباً في تاريخ >المتنبي< وحياته والمناسبات التاريخية، يهتم المؤلف بنسبه، ويتحدث عن أبيه وأمه وجدته، والبلاد التي سافر إليها، والأمراء الذين اتصل بهم، ورحلته إلى الصحراء، والعيش في البادية، ثم يتحدث عن قضية تنبئه، سارداً الروايات التاريخية التي تدرس ذلك، إنه يسير في الأحداث التاريخية التي تتعلق بالمتنبي على مر السنين، كما كان يفعل أجدادنا من سنة كذا إلى سنة كذا حصل كذا··· عنوان الكتاب >المتنبي< الشاعر لا >المتنبي< الإنسان أو الرجل، كما يفهم، لأن فيه أشعاراً كثيرة قالها >المتنبي<، أين الناحية الجمالية في هذا الشعر؟ وأين دراسة الأسلوب والتراكيب والبناء الفني لشعر >المتنبي<؟! لا يذكر ذلك إلا لماماً وفي أنحاء متفرقة من الكتاب·

 اطلعت على فهرس الكتاب فلم أجد عنواناً واحداً يخص ناحية فنية في شعر >المتنبي<، لم أجد عنواناً ـ مثلاً ـ يحمل الخصائص الفنية لـ>المتنبي< أو القيم الجمالية في شعر >المتنبي<، أو أي عنوان يتعلق بالجانب الفني، وأسأل هل >المتنبي< أو غيره سيرة وحياة فحسب أم أنه تاريخ وشعر، وهذا الشعر يحتاج منَّا إلى اهتمام كبير من الناحية الفنية؟! ومن ناحية أخرى، يعتبر كتابه تاريخاً صحيحاً حياة >المتنبي< فيه نقد للروايات التاريخية، التي لم يرها المؤلف صحيحة، وترجيح رواية تاريخية على أخرى، كل ذلك بدراية وعلم كبيرين، فهو ـ أي الكتاب ـ أشبه شيء بتحقيق علمي عن حياة >المتنبي< وتاريخه، ويعد مرجعاً من المراجع التاريخية عن حياة هذا الشاعر الذي ملأ الدنيا، وشغل الناس·

 إن كتاب العلامة >محمود شاكر< يعد شاهداً على حسن استخدام المنهج التاريخي في دراسة الأدب، يقع قارئه على علم غزير موثق، ومعرفة تامة بالمصادر والمراجع، وعقل كبير في تمييز الروايات ونقدها، وتصنيفها حسب قوتها وضعفها·

 الكتاب أُلِّف عن شخصية >المتنبي< وعن حياته، وقلَّما يلتفت إلى فن >المتنبي< وإلى الخصائص الجمالية في شعر >المتنبي<، وإن تحدث عن ذلك فمن باب استيفاء البحث لا أكثر· هذا الكتاب خير دليل على المنهج التاريخي في الأدب، يؤرخ لعصر >المتنبي< كما يؤرخ لحياته الأسرية ونشأته وحياته العامة وعلاقته بالناس·

 إننا نتساءل ونحن نقرأ كتاب >المتنبي< للشيخ >محمود شاكر< أين الدراسة الأدبية؟ وأين الدراسة الفنية لشعر >المتنبي<؟ أين النواحي الجمالية؟ أين الحديث عن أسلوب >المتنبي<؟ أو التحليل الأدبي لنصوصه الشعرية؟

 يمكننا سد ثغرات هذا المنهج وأن نتفادى أخطاءه ومساوئه بالحد من هذا الكم الهائل من الروايات التاريخية والاكتفاء بما يضيء لنا الطريق للتعرف إلى الشاعر وتذوق فنه والحد أيضاً من هذه الإحالات إلى المصادر والمراجع التي تمتلئ بها الحواشي والهومش، وأن نعطي دراسة النواحي الفنية الاهتمام الأكبر·

 إننا لا نقلل من شأن المنهج التاريخي، ولكننا نعمل على التقليل من غلوائه وطغيانه على الدراسات الأدبية·

 يمكنني أن أدرس >شوقي< دون هذا التهالك على حياته الشخصية، ودون الإغراق في ذكر الروايات التاريخية التي تكشف لي علاقته بالقصر والسياسة، أدرسه من الوجهة الفنية البحتة، وأستخدم المنهج التاريخي عندما يقدم لي ما أريده من تفسير ناحية جمالية وحينما يضيء لي هذا النص أو ذاك، وعندما يعرفني على مناسبة القصيدة والملابسات التي أحاطت بالشاعر عندما قالها· يمكنني ذلك دون أن أعود إلى تاريخ عصره والجو السياسي الذي تقلّب فيه >شوقي<، وإلى نشأته وحياته ودخوله إلى القصر وتأثره بكل ذلك، إلا أنني أحتاج إلى المنهج التاريخي حينما أدرس شعر الغربة في ديوان >شوقي< أو شعر الحنين أو الشعر الياسي، عند ذلك لابد أن أعتمد هذا المنهج·

 العيب ليس في المنهج التاريخي، وإنما في استخدامه والغلو في استخدامه، العيب في الطريقة التي نتبعها في استخدامه، فإذا ما استطعنا أن نستخدمه بمنتهى الحيطة والحذر، وبذكاء حاد، فإنه عند ذلك يقدم لنا تقنية عالية في استجلاء ما يفيدنا في النقد ودراسة الأدب وفي الكشف عن الخصائص الفنية لدى الشاعر·



بقلم الكاتب:  عبدالهادي صافي

عدد القرآء: 11487


الصفحة الرئيسية

الافتتاحية

أنشطة

مناسبات

حوار

رثاء

ملف العدد

دعوة

تراثنا

إصبعي السادسة

لغة وأدب

أنباء الكتب

فنون

رؤية

قيم

فكر

قراءة

ظاهرة

أسرتي

بريد القراء

منسيون

أعلام

منارات

ترجمات

جديد المعرفة

فتاوى الوعي

ينابيع المعرفة

مسك الختام

براعم الإيمان

      


 

مجلة الوعي الإسلامي - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - دولة الكويت

       <