2010-09-03

 532

 

 


أهمية البحار والمحيطات وتأثيرها على البيئة والحياة

 تشغل مياه البحار والمحيطات 70% من مساحة الكرة الأرضية، ولو تم توزيع هذه المياه على سطح الكرة الأرضية التي تبلغ مساحتها 510 ملايين كم2، لغطت المياه الأرض بطبقة مائية يبلغ ارتفاعها 2.4 كم، فهي تشارك في دورة المياه في الطبيعة من خلال الإشعاع الشمسي الذي يبخر جميع المياه التي لا تلبث أن ترتفع إلى الجو فتحملها الكتل الهوائية إلى مسافات بعيدة تتجاوز آلاف الكيلومترات في كثير من الأحيان، وقد تخترق قارات كاملة ثم يحدث التكاثف في الجو عند حدوث ظروف طبيعية معينة وتشكل السحب التي تؤدي إلى سقوط الأمطار والثلوج التي لا تلبث أن تعود مرة أخرى إلى الأرض وإلى البحار والمحيطات وهذا إن دل على شيء إنما يدل على ارتباط البحار والمحيطات باليابسة وتأثير كل منهما على الآخر ويكون الترابط على الشكل التالي:

 1 ـ تبادل الرطوبة بين المحيطات والبحار والقارات والمحيطات ترسل البخار وتهطالها إلى القارات تتكاثف هناك لتعود مرة ثانية إلى المحيطات عن طريق المجاري الباطنية والسطحية وعن طريق بخار الماء·

 2 ـ التبادل الحراري واختلاف السعة الحرورية لكلا السطحين واختلاف درجة طرق تسخنها فصلياً ما يؤثر على نشوء مراكز ضغط جوي مختلفة وانتقال الكتل الهوائية من مراكز الضغط المرتفع باتجاه مراكز الضغط المنخفض، وكذلك بسبب السعة الحرورية الكبيرة للمحيطات التي تتسخن ببطء وتفقد الحرارة ببطء ونجد أن هذه الأحواض تمثل خزانات كبيرة للحرارة تطلقها في الفترات الباردة من السنة، وهنا يكون دور التيارات البحرية كبير جداً في التأثير على اليابسة عندما تقوم بانتقال جزء من المياه السطحية للبحار لمسافات طويلة تحمل صفات المنطقة المقبلة منها كتيار الخليج الدافئ الذي يحمل الدفء إلى غرب أوروبا ويسبب هطول الأمطار الدائم فيها ويمنع تجمد الموانئ حتى خطوط عرض عليا على عكس تيار >لابرادور< البارد المقبل من القطب الشمالي البارد الذي يسبب تجمد موانئ شرق كندا على خطوط العرض نفسها في أوروبا الغربية·

 3 ـ تبادل مادي عن طريق نقل الأملاح والعناصر الكيمياوية المختلفة بوساطة بخار الماء والأمواج البحرية وطغيان البحار والمحيطات على اليابسة، كما أن القارات ترد المحيطات بسيل متصل من المجروفات الصخرية والعناصر الكيمياوية المختلفة عن طريق السواحل بوساطة الأنهار والمياه الباطنية·

 4 ـ ارتباط عضوي وهذا شكل آخر للعلاقة بين اليابسة والمحيطات، فهي غنية بعالميها الحيواني والنباتي والإنسان في حاجة ماسة لهذه الثروات لمحتويات المحيط من الثروات المعدنية المختلفة كما تجدر الإشارة على أن اختلاف مستوى المحيطات يؤثر بشدة على مساحة القارات فإذا ارتفع مستواها إلى 200م نرى أنها تغمر 3% من مساحة اليابسة، أما إن ارتفعت القارات بهذا المقدار نفسه، فإنها تقلص أكثر من 8% من مساحة المحيطات، وإن ارتفعت المحيطات إلى 1000م يغمر 71% من القارات، بينما لا يغمر من المحيطات أكثر من 12% لو ارتفع لمستوى القارات بالقيمة المذكورة نفسها·(1)

 أهمية البحار الاقتصادية

 تأتي أهمية البحار الاقتصادية بأنها مراكز للصيد ومكامن الثروة الحيوانية والنباتية والثروات المعدنية، وتتشكل فيها أوساط طبيعية غنية بالكائنات الحية النباتية والحيوانية ذات الأهمية الكبرى للإنسان، وعالم البحار والمحيطات أشبه بعالم اليابسة من حيث تنوع المحاصيل والمنتجات وعليه نشاهد أن النشاط البشري يتركز على السواحل بمصائد الأسماك الكبيرة والصناعات السمكية المتطورة كثيراً، وهو نشاط اقتصادي حيوي ومهم، يلعب دوراً كبيراً في الدخل القومي ويعطي معظم الصناعات ما يعادل 30 مليون طن في السنة، وقدر أن كتلة المواد النباتية في المحيطات تعادل 16 مليار طن، بالإضافة إلى ثروات معدنية شاطئية، إضافة إلى الدور الأساسي في عملية النقل البحري واستخدام الموانئ المهمة في عملية التبادل التجاري بين الدول ودور الدول المهم التي تمتلك موانئ وواجهات بحرية·

 كما أن للبحار دوراً كبيراً في تحريك السفن الشراعية منذ القديم من خلال نسيم البر والبحر، فنسيم البحر يتم نهاراً بسبب اكتساب اليابسة الحرارة في النهار، حيث يتشكل ضغط منخفض بينما الماء بارد نهاراً وعليه ضغط مرتفع وفي هذه الحال يسمى نسيم البحر، وعكس ذلك يكون نسيم البر حيث في الليل الدفء في المياه ويتشكل ضغط منخفض، بينما اليابسة تفقد الحرارة ويتشكل ضغط مرتفع مما يدفع نسيم البر باتجاه البحر ويستفاد في كلا الحالين من هذه الظاهرة في الصيد البحري، إذ إن الصيادين يرفعون الأشرعة ليلاً فيدفعهم نسيم البر باتجاه البحر، وفي أثناء العودة يدفعهم نسيم البحر نهاراً باتجاه الساحل·(2)

 التركيب الفيزيائي والكيمياوي لمياه البحار والمحيطات

 1 ـ الملوحة والطعم المر بسبب التبخر الذي يؤدي إلى تملح السطح الخارجي للمحيطات والبحار كما تعمل الرياح على زيادة التبخر ميكانيكياً ويتناسب عملها مع شدة هبوبها وكذلك الظروف الحرارية، أي كلما ازدادت الحرارة ازداد التبخر والتملح يكون أكبر وكذلك قلة التهاطل·

 2 ـ الوزن النوعي لمياه البحار أكبر من الوزن النوعي للمياه العذبة·

 3 ـ لا تحل مياه البحار والمحيطات الصابون·

 4 ـ لا يمكن استعمالها في أغراض الري والشرب والآلات البخارية مباشرة، وهذا يعود لاختلاف طبيعة المواد الكيمياوية والمركبات الملحية التي تحتويها المياه المالحة البحرية·

 المفهوم الديني لمياه البحار والمحيطات

 قدرته سبحانه وتعالى أن جعل البحر المتلاطم الأمواج قد مسخراً للركوب فيه والغوص في أعماقه لاصطياد أسماكه وحيواناته البحرية واستخراج الجواهر الثمينة كاللؤلؤ والمرجان، ونرى السفن العظيمة تشق عباب البحر جارية فيه، وهي تعمل الأمتعة والأقوات كما سخر البحر لتبتغوا بما ذكر ولتطلبوا من فضل الله ورزقه سبل معاشكم بالتجارة ولتشكروا ربكم على عظيم إنعامه وجليل أفضاله(3)·

 والآية الكريمة تؤكد ذلك كما جاء في قوله تعالى: (وهو الذي سخَّر البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) النحل:14، كما بيَّن الله قدرته وحكمته بأن ذلل البحر رغم ضخامته وعظمته لتجري السفن على سطحه بمشيئته، وإرادته دون أن تغوص في أعماقه، حيث سيرها على وجه الماء ولأن جريها في البحر لا صنع للبشرية فيه: (وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام) الرحمن:24، تشبه الجبال في اليابسة لضخامتها بما تحمل من أرزاق ومكاسب ومتاجر من قطر إلى قطر ومن إقليم إلى آخر، حيث يقول تعالى: (الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) الجاثية:12·

 ومن عظيم قدرته سبحانه وتعالى أن يلتقي البحر الحلو مع البحر المالح وبينهما حاجز دون أن يمتزج أحدهما بالآخر ويطغى عليه ويقول ابن كثير في تفسيره: إن الماء المالح هو البحر والماء الحلو هذه الأنهار السارحة بين الناس والبرزخ هو الحاجز من الأرض لئلا يبغي هذا على هذا فيفسد كل واحد منهما الآخر، حيث يقول تعالى: (مرج البحرين يلتقيان· بينهما برزخ لا يبغيان) الرحمن: 19 ـ 20·

 كما تأتي الأهمية الدينية بأن الله تعالى جعلها مأمناً للأنبياء من الطغاة والكافرين عندما أوحى الله سبحانه وتعالى إلى أم موسى أن تلقيه في البحر بعد أن ترضعه وسوف يرده الله سبحانه وتعالى إلى أمه ويكون من المرسلين: (وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين) القصص:7·

 كما جعله مأمناً لموسى عليه السلام عندما لحقه فرعون وجنود (فاضرب لهم طريقاً في البحر يبساً) طه:77، وفي الوقت نفسه كان عقوبة لفرعون وجنوده وغشيهم من الأهوال مالا يعلم كنهه إلا الله عند الغرق: (فاتبعهم فرعون وبجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم) طه:78· وفي آية أخرى: (ثم لننسفنه في اليم نسفاً) طه:97، أي لنحرقنه بالنار ثم لنطيرنه رماداً في البحر لا يبقى منه عين ولا أثر·

 وكذلك قصة نبي الله يونس عندما لبث في بطن الحوت في البحر فهو عوقب من الله سبحانه وتعالى وهو مأمن لنبي الله يونس في الوقت نفسه وتلك قدرة الله·

 وما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في البحر: >هو الطهور ماؤه، الحل ميتته<، وقد جعله الله تعالى ملحاً أجاجاً زعافاً لتمام مصالح من هو على وجه الأرض من الآدميين والبهائم، وهو كثير الحيوان فهو يموت فيه ولا يغير فلو كان حلواً لأنتن من إقامته·

 ولو ألقيت فيه كل جيف العالم وأنتانه وأمواته لم تغيره شيئاً لا يتغير على مكثه من حين خلق وإلى أن يطوي الله العالم، فهذا هو السبب الفاني الموجب لملوحته، وأما السبب الفاعلي فتكون أرضه سبخة مالحة وبعد، فالاغتسال فيه نافع من آفات كثيرة قد تصيب الجلد وبشرته لكنه مضر أحياناً فإنه يطلق البطن ويهزل ويحدث حكة وجربا ونفخة وعطشا ومن اضطر إلى شربه فله طرق عدة علاجية أن يجعل الماء في قدر، ويجعل فوق القدر قصبات وعليها صوف جديد منقوش، ويوقد تحت القدر حتى يرتفع البخار إلى الصوف، فإذا كثر عصره ولا يزال يفعل ذلك حتى يجمع ما يريد، فيحصل في الصوف من البخار ماء عذب ويبقى في القدر الزعاف(4)، وهناك وسائل حديثة لتنقية ماء البحر وتحليته وتحليله·

 المراجع

 1 ـ علم المناخ والمياه ـ الجزء الأول ـ علم المياه للدكتور شاهر جمال أغا·

 2 ـ المرجع السابق نفسه·

 3 ـ صفوة التفاسير ـ للصابوني·

 4 ـ الطب النبوي ـ ابن قيم الجوزية·

 



بقلم الكاتب:   محمد حسين هيجل ـ إجازة في الآداب ـ سورية

عدد القرآء: 44551


الصفحة الرئيسية

الافتتاحية

أنشطة

مناسبات

حوار

رثاء

ملف العدد

دعوة

تراثنا

إصبعي السادسة

لغة وأدب

أنباء الكتب

فنون

رؤية

قيم

فكر

قراءة

ظاهرة

أسرتي

بريد القراء

منسيون

أعلام

منارات

ترجمات

جديد المعرفة

فتاوى الوعي

ينابيع المعرفة

مسك الختام

براعم الإيمان

      


 

مجلة الوعي الإسلامي - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - دولة الكويت

       <