2010-09-03

 532

 

 


الفكر التربوي وتنشئة الأولاد عند المسلمين الأوائل

يأخذ البعض على المكتبة العربية الحديثة والمعاصرة قلة اعداد الكتب التي تعنى بالتربية كعلم متخصص له سماته الخاصة وتلبي حاجة المربي وولي الامر وتواجه النظريات التربوية الحديثة في الغرب والتي حمل معظمها معاول الهدم ـ  عن قصد وسوء نية ـ  لتهدم القيم والمثل التي جاء بها الاسلام وبنى حضارة زاهرة صمدت قرونا عديدة، وقد ساهمت الحركات المشبوهة في طرح افكار تربوية تصل بالشباب الى مهاوي الردى لتسهل السيطرة على الامة واستنزاف طاقاتها وقدراتها وخيراتها وتسخيرها لخدمة اغراضهم، الا انه في الآونة الاخيرة ظهرت كتب عربية تصدت لهذه الموجة الهدامة واستعانت بتلك الكنوز التي يزخر بها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة كأتم نظريات تربوية تلبي حاجات الانسان الجسمية، والعقلية، والنفسية، والاجتماعية، والانفعالية.

والواقع انه لا احد يستطيع ان ينكر ان التربية الاسلامية هي الاساس المتين الذي قامت عليه حضارة المسلمين والتي استمرت في تفوقها ثمانية قرون لا منافس لها، فقد قدس الاسلام العلم والعلماء وسما بالعلم الى درجة العبادة وعني بالتربية الروحية والدينية والخلقية.

أصالة التربية الإسلامية

 وما التربية الغربية الحديثة التي نادى بها الغرب في اوائل هذا القرن الا بعض مما نفذته التربية الاسلامية وطبقته بكل مثالياتها كالتربية الاستقلالية، والاعتماد على النفس في التعلم، ونظام التعلم الفردي، ومراعاة الفروق الفردية، وملاحظة الميول والاستعدادات الفطرية، وتشجيع الرحلات العلمية وغيرها.

 وقد ادرك المسلمون الاوائل ان التربية هي اداة الحضارة ووسيلتها في تخليد ذاتها وضمان انسيابها وتناقلها عبر الاجيال، ويكون فعل التربية في الحضارة هو رسم هذا الفعل وتحديد مداه والتأثير في سلوك الفرد الانساني حتى ينسجم مع الانماط الاجتماعية السائدة، وهذا ما ادركه ايضا الصينيون القدماء والاسبرطيون والاثينيون في اهمية التربية في تحديد سلوك حضارتهم.

 التربية في الإسلام

 بنظرة سريعة للتربية في صدر الاسلام نجد ان تربية الطفل كانت تبدأ في الوسط العائلي بالممارسة واهم ما تسعى اليه الاسرة هو تعليم الطفل ان "لا إله الا الله ـ  محمد رسول الله" ثم تعليمه الصلاة في سن السابعة، وبعد وفاة الرسول (صلى الله عليه وسلم) بوقت قصير ظهرت المدارس بمفهومها الحالي، وتزايدت مع انتشار الاسلام، وكانت البداية اما المسجد نفسه او مكانا مجاورا له، وكان القرآن هو الكتاب التربوي الاساسي عند المسلمين في كل الازمان.

 وقد كان للمساجد فيما بعد دورها الهام في الحفاظ على التراث الاسلامي وكانت بمنزلة الجامعات في الوقت الحاضر كما اقتبست جامعات اوروبا الحديثة والعريقة اكسفورد ـ  كمبردج ـ  السوربون ـ  بعض انظمتها وطرق التدريس فيها من الجامع الازهر وجامع الزيتونة في تونس.

في عهد الأمويين والعباسيين

 وفي عصر الدولتين الاموية والعباسية حين بدأ التمايز الطبقي (الاقتصادي ـ  الاجتماعي) يظهر في المجتمع الاسلامي اختلفت اغراض التربية واهدافها باختلاف الطبقة الاجتماعية، وقد تميزت في ذلك العصر ثلاث طبقات اجتماعية:

 1 ـ  الطبقة الوسطى وسواد الشعب:

 يقوم بتعليمهم معلمو الكتاتيب، واساس التربية عندهم القرآن الكريم وبعض العلوم الدنيوية كالشعر والحساب والاحكام الشرعية.

 2 ـ  طبقة الامراء والوزراء والاغنياء:

 يقوم بتعليم ابنائهم المؤدبون، ومنهج التربية عندهم القرآن الكريم، الآداب، الحكمة، التفسير، علم الكلام، الشعر، المنطق، الفلسفة.

 3 ـ  ابناء الخلفاء:

 وهؤلاء يعدون اعدادا خاصا يتناسب واهمية وعظم المكانة التي سيحتلونها ويقوم على تربيتهم كبار المؤدبين.

 ولعل في الوصية التي بعث بها الخليفة هارون الرشيد الى الكسائي مؤدب ابنه ما يلقي الضوء على طبيعة المنهج الذي يسعى الخلفاء الى تربية اولادهم عليه:

 "أقرئه القرآن، وعرفه الآثار، وروه الأشعار، وعلمه السنن، وبصره بمواقع الكلام وبدئه، وامنعه من الضحك الا في اوقاته، وخذه بتعظيم مشايخ بني هاشم اذا دخلوا عليه، ورفع مجالس القواد اذا حضروا مجلسه، ولا تمرن بك ساعة الا وانت مغتنم منها فائدة تفيده اياها من غير ان تخرق به فتميت ذهنه، ولا تمعن في مسامحته فيستحلي الفراغ ويألفه، وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة، فإن اباهما فعليك بالشدة والغلظة".

 انه منهج متكامل للتربية الارستقراطية في اوج الحضارة الاسلامية يؤكد على العلوم الدينية بالدرجة الأولى، ثم التاريخ، الادب، الاحكام الشرعية واللغة، احترام الرابطة العائلية، احترام رصيده العسكري من القادة، كما يؤكد على اهمية الزمن وعدم اضاعته، وعدم الكبت والتشدد مع الابناء، واخيرا مبدأ الثواب والعقاب.

 اذن فالحقبة الممتدة بين الهجرة النبوية وتدوين الحديث في القرن الثالث الهجري تميزت ـ  تربويا ـ  بالوضوح والاستقرار والبعد عن التنظير، وظلت كذلك حتى بدء المرحلة الثانية من مراحل تطور الفكر التربوي الاسلامي نتيجة للفتوحات شرقا وغربا واتساع العمران وارتفاع شأن الحضارة مما ادى الى تنظيم امر التربية التي خرجت من نطاق البيت والمسجد الى مجال المدرسة حيث يقوم على امر التربية معلمون احترفوا هذه الحرفة واختصوا بهذه الصناعة، ونشأت بذلك ثلاثة انواع من المؤسسات التربوية: الكتاب ـ  المسجد ـ  المدرسة، يقوم بالتعليم فيها معلمون على درجات متباينة، منهم كبار المؤدبين لأبناء الخلفاء والامراء، ثم المؤدبون في المساجد الكبيرة، ثم معلمو الكتاتيب.

في العصور الوسطى

 ولما كان العلماء في العصور الوسطى يحرصون على الالمام بجميع فروع المعرفة ­ في ذلك الوقت ­ ليتميزوا عن غيرهم وهو ما يعرف بـ:" العالم الشامل" او ما يسمى اليوم العالم الموسوعةŒ فقد كانت التربية آخر العلوم التي كتبوا فيها، ولعل ذلك يرجع الى المكانة الاجتماعية المتدنية التي كان يحتلها معلمو الكتاتيب في ذلك الزمان.

 فالشيخ الرئيس ـ  ابن سينا ـ  الذي اشتهر امره في الطب كان يضرب في كل فروع المعرفة ­ فهو الحكيم النطاسي، العالم النفسي، اللغوي الناجح والمربي الكبير، بل لم تخل مؤلفاته من الخوض في الموسيقى وفنونها.

 أعلام التربية

 عند المسلمين الأوائل بدأ الاهتمام بالتربية الاسلامية كعلم له خصوصياته منذ فترة مبكرة في عهد الدولة الاسلامية، واحتلت نظريات التربية جانبا مهما من كتب ومصنفات كبار العلماء المسلمين، بالاضافة الى اهتماماتهم ببقية فروع المعرفة من علوم دينية وتاريخ وفلك وكيمياء ورياضيات وغيرها.

 ومن هؤلاء الاعلام:

 1 ـ  اسد بن الفرات بن سنان (ت 213 هـ) هو الامير القاضي السمح تلميذ مالك بن انس.

 2 ـ  ابن مسكويه (ت 241هـ/ 855م) الشيخ ابوعلي احمد بن محمد.

 3 ـ  ابن سحنون (ت 256هـ/ 869م) محمد بن سحنون بن سعيد التنوخي.

 4 ـ  القابسي (ت 324هـ/ 935م) ابو الحسن علي بن محمد المعافري وهو تلميذ ابن سحنون.

 5 ـ  ابن جماعة (ت 373هـ/ 983م) عاش معظم عمره في الاندلس.

 6 ـ  ابن سينا (ت 370هـ/ 980م) الشيخ الرئيس ابوعلي الحسين بن عبدالله بن الحسن بن علي بن سينا.

 7 ـ  الغزالي (ت 505هـ/ 1111م) الامام ابوحامد محمد بن محمد الغزالي الفيلسوف المتصوف.

 8 ـ  ابن خلدون (ت 809هـ/ 1406م) الوزير، السفير، القاضي عبدالرحمن بن خلدون صاحب المقدمة الشهيرة ومؤسس علم الاجتماع الحديث.

 محمد بن سحنون

 صاحب كتاب "آداب المعلمين" هو محمد بن عبدالسلام بن سعيد بن حبيب التنوخي، لقب بسحنون لشدة ذكائه، ولد ابن سحنون سنة 203 هـ بمدينة القيروان التونسية، كان ابوه سحنون تلميذا لأسد بن الفرات، تفقه محمد على يدي ابيه وحفظ القرآن الكريم وكعادة علماء عصره كان ابن سحنون كثير الوضع للكتب غزير التأليف، الف في جميع فنون العلوم كتبا تنتهي الى المائتي كتاب، ولعل اشهرها مخطوطاته آداب المعلمينŒ والتي قام بتحقيقها اكثر من باحث منهم الدكتور محمد عبدالمولى في كتابه آداب المعلمين، تونس 1969 .

 وهذه اهم آراء ابن سحنون في تربية المتعلمين:

 ـ  الأولوية لتعليم القرآن الكريم وحث المعلمين على العمل بما جاء فيه.

 ـ  العدل بين الصبيان وعدم التمييز بينهم (الفقير والغني) وهذا ما فطنت اليه النظريات التربوية الحديثة.

 ـ  جواز تأديب الصبية اذا ما خالفوا وفق شروط محددة (مبدأ الثواب والعقاب).

 ـ  لا يشغل المعلم وقته بغير تعليم الصبية الوقت المحدد للتعليم ولا يعمل عملا آخر.

 ـ  لا يجوز الجمع بين الذكور والاناث في التعليم في مكان واحد.

 القابسي( ت 324هـ / 935م)

 صاحب الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمين والمعلمين، ولد في القيروان بتونس، واخذ الكثير عن ابن سحنون وترك الكثير من المؤلفات والمخطوطات اشهرها الرسالة المفصلة لأحوال المتعلمينŒ ومما نادى به القابسي في الميدان التربوي:

 ـ  الغرض من تعليم الصبيان هو معرفة الدين علما وعملا وتعليم الدين لا يتيسر الا بمعرفة المبادئ التي تكتسب بالتعليم كالقرآن والكتابة، ومن هنا اتصل التعليم عند القابسي بالدين اتصال الوسيلة بالغرض.

 ـ  نادى بإلزامية التعليم اخذا بالحديث النبوي "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" (رواه البخاري) وساعده في ذلك تطوع الامراء والاغنياء في زمانه بالانفاق على الكتاتيب واجراء الاموال عليها لتستمر في الحياة.

 ـ  وجوب التعليم للجميع (اولاد وبنات) لأن المؤمنين والمؤمنات مكلفون جميعا بنص القرآن.

 ـ  عدم الجمع بين البنين والبنات في فصل واحد "من صلاحهم ومن حسن النظر لهم لا يخلط بين الذكور والاناث" وهو بذلك متأثر بأستاذه سحنون الذي قال اكره للمعلم ان يعلم الجواري ويخلطهن مع الغلمان لأن ذلك فساد لهن".

 ـ  التعطيل يوم الجمعة والاعياد: ان اجازة الاولاد يوم الجمعة امر مستحب لأن ذلك سنة المعلمين منذ كانوا، اما بطالة الاولاد يوم الخميس فهذا بعيد، وكذلك بطالة الاعياد على العرف المشتهر المتواطأ عليه ثلاثة ايام في الفطر وخمسة ايام في الاضحى.

 ـ  عقاب التلميذ: يرى القابسي ان الضرب انما يكون من المعلم الجافي الجاهل وهو ينهى عن الضرب والمعلم غضبان، والضرب على التعليم انما هو عن كثرة الخطأ من الصبيان.

 وهكذا نرى ان القابسي حصر الغرض من التعليم في معرفة الدين علما وعملا دون النظر الى النواحي المعيشة، وهذا ما يتعذر قبوله في الوقت الحاضر، حيث هذا الكم الهائل من المعرفة التي تتضاعف كل فترة وهذه الأدوات والآلات التي تشاركنا حياتنا ومعاشنا، بل تشاركنا اجسادنا احيانا، مما يتوجب معه الالمام بكل الوسائل والتقنيات التي نحيا بفضلها، كما اصبح ينظر للتربية على انها عملية استثمارية ذات مردود فمع ارتفاع تكاليف التعليم ينظر اولوا الامر الى استرداد هذه الاموال من عائدات ونتائج هذا التعليم.

 " ابن سينا" (ت 370هـ/ 980م) ولد ابوعلي الحسين عبدالله بن الحسن بن علي بن سينا في احدى مدن خراسان حيث كان والده عاملا على بعض جهاتها، وكان يعقد في بيتهم ندوات لصفوة العلماء المفكرين، فكان يستمع اليهم وهم يتذاكرون ويتنافسون ويتنقلون من الدين الى الفلسفة، ومن الفلسفة الى الحكمة، ومن الحكمة الى المنطق، وكان ابوه من الاسماعيلية له تعلق بالفلسفة.

 درس الطب في سن مبكرة ونبغ فيه ولا يطلب عليه اجرا، كما تفوق في الفلسفة والمنطق والهندسة والجغرافيا، تنقل ابن سينا من بخارى الى خوارزم الى الري ثم الى همذان ومنها الى اصفهان، وتولى عدة مناصب مهمة كوزير لشمس الدولة صاحب همذان وعمل مستشارا للامير جعفر امير اصفهان ونديما له.

 ألف ابن سينا مائتين وستة وسبعين كتابا اشهرها على الاطلاق كتاب القانونŒ في الطب، وكتاب الشفاء في المنطق والطبيعيات والفلسفة، وتراجم آراء ارسطو وافلاطون، وكتاب السياسة في التربية.

 اتصل ابن سينا بكثير من علماء عصره ابن نسكويه "البيروني"، وابوالفرج الاصفهاني صاحب كتاب الاغاني، يقولون الحكماء اربعة: اثنان قبل الاسلام وهما افلاطون وارسطو واثنان في الاسلام ابونصر الفارابي وابوعلي بن سينا.

 آراؤه في التربية

 ـ  ان يكون التعليم جميعا في المدارس لا فرديا: لأن انفراد الصبي الواحد بالمؤدب أجلب لضجرهما، ولأن الصبي عن الصبي ألقن وهو منه آخذ وبه آنس، ولأن التعليم الجمعي من اسباب المباراة والمساجلة والمحاكاة.

 ـ  تبدأ تربية الصبي منذ نعومة اظفاره: اذا فطم من الرضاع بدئ بتأديبه ورياضة اخلاقه، قبل ان تهجم عليه الاخلاق اللئيمة.

 ـ  اول ما يتعلم الصبي، اذا اشتدت مفاصله واستوى لسانه وتهيأ للتلقين: القرآن الكريم لما فيه من صور الحروف، معالم الدين، القصص الخلقية والاحكام.

 ـ  مسايرة ميول الصبي وتوجيهه الى الصناعة والمهنة التي تتفق مع ميوله، "ينبغي لمدبر الصبي اذا رام اختيار الصناعة ان يزن اولا طبع الصبي ويسبر قريحته ويختبر ذكاءه فيختار له الصناعات بحسب ذلك". وهذا ما يعمل في الدول المتقدمة في الوقت الحاضر حيث تجرى للأولاد اختبارات الذكاء واختبارات الميول والقدرات وحسب احتياجات الدولة من مهنيين وفنيين وفق خطط مرسومة مدروسة.

 ـ  مبدأ الثواب والعقاب: ويكون ذلك بالترغيب والترهيب، والايناس والايحاش، والحمد مرة والتوبيخ مرة اخرى، والضرب بعد الترهيب.

 صفات المعلم عند ابن سينا

 ينبغي ان يكون مؤدب الصبي عاقلا ذا دين، بصيرا برياضة الاخلاق، صادقا بتخريج الصبيان، وقورا رزينا بعيدا عن الخفة والسخف، لبيبا قليل التبذل والاسترسال بحضرة الصبي، ذا مروءة ونظافة ونزاهة، فالمؤدب قدوة يقتدى به.

 هذا ما رآه الشيخ الرئيس ابن سينا احد ائمة الفكر والتربية في الاسلام وعلم من اعلام المجتمع الاسلامي في القرن الرابع الهجري.

 التربية عند ابن خلدون

 ولد عبدالرحمن بن خلدون في تونس في غرة رمضان سنة 732 هـ الموافق 27 مايو 1322م وتوفي سنة 1406م عن 74 سنة، نشأ بين اسرة عريقة في الشرف والرياسة والعلم والسياسة، أجاد اصول الفقه على مذهب مالك وتعمق في الفلسفة والمنطق، ونبغ في كل ما تعلمه وهو لم يبلغ العشرين، حتى اقر له اساتذته بالعبقرية.

 تولى عدة مناصب سياسية في تونس ثم رحل الى تلمسان ومنها الى المغرب والاندلس عند بني الاحمر ملوك غرناطة، وضع مقدمته الشهيرة اثناء اقامته في المغرب وله مؤلفات اخرى كثيرة، قام بالتدريس في الازهر اثناء اقامته في مصر وكان قاضيا للمالكيين في مصر.

 وصفه معاصره الاديب الوزير لسان الدين بن الخطيب فيقول: كان ابن خلدون رجلا فاضلا، حسن الخلق، جم الفضائل، ظاهر الحياء، عزوفا عن الضيم، صعب المقادة، سديد البحث، كثير التحفظ وبارع الخط.

 ـ  التربية تستهدف غرضين: غرض ديني ويقصد به العمل للآخرة حتى يلقى العبد ربه، وغرض دنيوي والهدف منه نفعي من الدنيا.

 ـ  العلوم عنده قسمان: علوم دنيوية تتخذ آلة للمهارة في العلوم السابقة كالمنطق والحساب، بالاضافة الى العلوم العقلية كالطب والكيمياء والفلك.

ـ  ينبغي ان يراعى في التدريس التدرج والتكرار والاجمال في البدء ثم التفصيل.

 ـ  الانتفاع بوسائل الايضاح والرحلات في تبسيط الدروس.

 ـ  تجنب المختصرات في التعليم لأن في ذلك افسادا واخلالا وتضييعا للمتعلم وهي ترهق العقل وتشوش نظامه، كما ان هذه الطريقة تنفر المتعلمين من البحث والتنقيب وتبعدهم عن الرغبة في القراءة والاطلاع.

 ـ  عدم الخلط بين علمين في وقت واحد.

 ـ  ضرورة الاتصال بمجالس العلم.

 ـ  استعمال الشفقة في معاملة الاطفال اثناء تهذيبهم.

 ـ  تقوية الصلة بين الاساتذة والتلاميذ: كصلة الآباء بأبنائهم ولا يكون ذلك الا اذا احب تلاميذه ودرس غرائزهم وميولهم.

 ـ  ان يكون المربي قدوة حسنة: لا يستحق لقب "معلم" الا الرجل الكامل الذي يترفع عن الدنايا ويربأ بنفسه عن فعل القبيح لأن عليه النهوض برجال الغد.

 ـ  تدريس العلوم باللغة الاصلية: وقد كثرت مراكز الترجمة في عهد ابن خلدون التي ترجمت الكثير من اللغات الهندية والفارسية والرومانية الى العربية وقد ساعد على ذلك ان اللغة العربية لغة مرنة غنية بالمفردات تستطيع ان تستوعب كل مصادر الثقافة من طب وصيدلة وكيمياء واقتصاد وفلسفة.

دار الحكمة

 ولو قارنا هذه المبادئ بالنظريات التربوية الحديثة لوجدنا تطابقا في كثير من الآراء.

 ونحن نصل الى نهاية القرن الرابع الهجري، فلن ننسى الدور الكبير الذي قامت به "دار الحكمة" التي اسسها الخليفة العباسي المأمون (217هـ/ 832م) واثرها على الفكر التربوي عند المسلمين بما جلبته من علماء ومترجمين من "اديسا" و"نصيبين" و"جنديسابور" في مجالات الطب والرياضيات والفلسفة وغيرها، وكانت مكتبة دار الحكمة تحوي آلاف المخطوطات، حركة الترجمة هذه قد بدأت منذ عهد الخليفة خالد بن يزيد بن معاوية المعروف بحكيم آل مروان.

 ثم حلت محلها المدرسة النظامية في مراحل لاحقة 1067م وهي تمثل ظاهرة جديدة في العلاقة بين الدولة والتعليم، فقد كانت المدرسة النظامية نموذجا للمؤسسة التربوية الموضوعة في خدمة الدولة والموجهة اصلا لخدمة اغراضها السياسية. وكان من اشهر اساتذة المدرسة النظامية الامام ابوحامد الغزالي.

 وقد قسم علماء التربية المحدثون الفكر التربوي الاسلامي من هجرة الرسول حتى القرن الرابع الهجري الى ثلاثة تيارات هي:

 1 ـ  التيار المحافظ: وهو يقوم العلوم تقويما دينيا محضا وقد مثل هذا التيار الامام الغزالي، والشيخ الطوسي، وابن جماعة الاندلسي.

 2 ـ  التيار المنفتح على الفكر الاغريقي: ومثل هذا التيار جماعة اخوان الصفا وابن مسكويه.

 3 ـ  التيار الذرائعي: وهو الهدف الذي يتوسل به الى بلوغ شيء آخر وتزعم هذا التيار المفكر المسلم ابن خلدون.

 علينا ان ننظر الى افكار هؤلاء العلماء جميعا بمنظار العصر الذي عاشوا فيه، وانهم بذلك الطلائع التربوية التي تقتحم مجاهل الطريق وانهم اتفقوا جميعا على ان الاسس النفسية للتعلم في التربية الاسلامية تتشعب الى ثلاثة اتجاهات منفصلة هي:

 أولا: اركان عملية التعلم: ومنها التهيؤ النفسي للتحصيل، والادراك، والخبرة، ومرحلة النمو والقدرة على التعلم اي مراعاة سن المتعلم، ثم اللغة ودورها كوسيلة تربوية.

 ثانيا: طريقة التعليم: (اول من تنبه لها ابن خلدون) تقريب المعرفة الى ادراك المتعلم مع الاخذ بعين الاعتبار علم المتعلم ونضجه اللغوي والعقلي، واستعمال اسلوب المطارحة والمناظرة والمحاورة لأنها تهيئ للمتعلم فرص الجرأة والثقة بالنفس.

 ثالثا: المهنة التعليمية: نادوا بمعرفة طبيعة الطفل وامكاناته للتعلم، كما حددوا مسؤولية المعلم وفرقوا بين التربية والتعليم وعرفوا ان التربية اكبر من التعليم واشمل منه، لذلك لا بد ان يضاف للعلم فن التربية، وقرروا ان السن المناسبة لبدء التعليم هي سن السادسة، وادركوا اهمية اللعب والترويح عن النفس بين المعلم والتلميذ وهذه المبادئ هي التي تنادي بها التربية الحديثة.

 مسؤوليات تربية الابناء في القرن العشرين

  في اكثر من مؤتمر وفي اكثر من لقاء اجمع كثير من المربين وعلماء المسلمين على مسؤوليات تربية الابناء وتعليمهم لمواجهة تحديات العصر ومطالب الحياة والتقدم العلمي والتكنولوجيا ومواجهة الاتهامات التي يبثها اعداء الاسلام الذين يتربصون بنا.

 ولقد تم ترتيب هذه المسؤوليات كالتالي:

 1 ـ  مسؤولية التربية الايمانية: ومطالبها: الايمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، البعث، الحساب، الجنة والنار، واركان الاسلام، ومبادئ الشريعة الاسلامية، وتقع مسؤوليتها على دروس التربية الاسلامية في المدارس والمساجد.

 2 ـ  مسؤولية التربية الخلقية: ومطالبها: تخليق الاولاد منذ الصغر على الصدق، الامانة، الاستقامة، الايثار، احترام الكبير، احترام الجار، وغيرها من القيم الاسلامية السامية، وتنزيه الالسن عن السباب ومحاربة ظواهر الكذب، السرقة، الميوعة والانحلال.

 3 ـ  مسؤولية التربية الجسمية: ومطالبها: ان ينفق الآباء على اولادهم وان يتبعوا القواعدالصحية في المأكل والمشرب والنوم، ومعالجة المرض بالتداوي، وألعاب الفروسية، وممارسة الرياضة، تعويدهم على حيادة الجد والرجولة، ومحاربة ظواهر التدخين والمسكرات، المخدرات، الزنا واللواط، وتقع مسؤوليتها على الاسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الاعلام من صحف ومجلات وتلفزيون.

 4 ـ  مسؤولية التربية العقلية: ومطالبها: تعليم العلوم الدينية والشرعية والحياتية، والعلوم العقلية كالحساب والتاريخ والكيمياء والفيزياء، تحديث المدارس لتشمل مرافق تخدم هذه العلوم.

 5 ـ  مسؤولية التربية النفسية: ومطالبها: تنمية القيم الايجابية التي تساعد على خلق المواطن الصالح مثل الجرأة، الصراحة، الشجاعة، حب الخير للآخرين، الانضباط عند الغضب، تحرير الاولاد من مظاهر الخجل، الخوف، الشعور بالنقص وظاهرة الحسد ... الخ.

 6 ـ  مسؤولية التربية المهنية: ومطالبها: التوسع في انشاء المدارس المهنية مثل الزراعية، التجارية، الصناعية والتكنولوجية لمواجهة تحديات العصر وحاجات المجتمع، كذلك اجراء اختبارات القدرات والمهارات والاستعدادات والميول، وقد اصبح للتوجيه الفني والمهني اسسه وقواعده كعلم مستقل يلبي مطالب الفرد وحاجات المجتمع ويوجهها الوجهة الصحيحة.

 كلمة أخيرة

 مهما يكن من امر ومهما يكن من اختلاف بين المذاهب التربوية فهناك حقيقة ان الاسلام وحده هو القوة المنسقة والمقربة بين افكار المربين الاسلاميين، وان الاسلام وحده هو المسؤول عن التشابه العظيم الذي كاد ان يكون تطابقا في الاهداف التي توخوها وفي طرق التعلم التي مارسوها.

 وعلينا ان نكون حذرين من اولئك الذين يحملون معاول الهدم ويضربون بها اسس حضارتنا تحت شعارات مكافحة الاصولية والعنصرية، بل وما يدعون انه ارهابا ويمارسون ابشع الوان العنصرية والاضطهاد باسم الديموقراطية والعولمة وحقوق المرأة التي اعطاها الاسلام اكثر بكثير مما يدعون انهم اعطوه لها.

 الخوف كل الخوف من اولئك المتنطعين الذين يتغنون بالحضارة الغربية ورموزها ولا يرون إلا حضارة البعد عن القيم والمشاعر.

 وان سألت من هؤلاء؟ نقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) "هم دعاة على ابواب جهنم، من اجابهم اليها قذفوه فيها" فقالوا: من هم يا رسول الله؟

 فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا" (رواه البخاري).

 فالتربية الاسلامية عملية اعداد للإنسان بتثقيفه ورعايته واصلاح شأنه وتعهده.

 من أقوالهم

 قال الرسول (صلى الله عليه وسلم) لأن يؤدب الرجل ولده خير له من ان يتصدق بصاع" (رواه الترمذي).

 ـ  "من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة" (رواه مسلم عن ابي هريرة).

ـ  "يجب مراعاة التدرج والتكرار في التدريس"

ـ  "لابد من دراسة نفسية الاطفال ومعرفة درجة استعدادهم"

 ابن خلدون

ـ" يجب مراعاة الفروق الفردية بين الافراد في التعليم ومسايرة ميول الصبي وتوجيهه الى الصناعة او المهنة التي تتفق مع ميوله"

 الشيخ الرئيس ابن سينا

ـ" التعليم للجميع البنين والبنات، لأن المؤمنين والمؤمنات مكلفون جميعا حسب نص القرآن"

 القابسي

ـ" العدل بين الصبيان وعدم التمييز بينهم الفقير والغني، الامير والاجير في قاعات الدروس"

 ابن سحنون

ـ" لا يكتسب المتعلم شيئا لا يفهمه"، "مطالعة ساعة خير من تكرار شهر"

 الطوسي

ـ" لقد كان دين محمد موضع تقدير سام، لما ينطوي عليه من حيوية مدهشة وانه الدين الوحيد الذي له ملكة الهضم لأطوار الحياة المختلفة، ارى واجبا ان يدعى محمد منقذ الانسانية، وان رجلا على شاكلته لو تولى زعامة العالم الحديث لنجح في حل مشاكله".

 

 



بقلم الكاتب:   بهيج بهجت سكيك ـ الكويت

عدد القرآء: 18087


الصفحة الرئيسية

الافتتاحية

أنشطة

مناسبات

حوار

رثاء

ملف العدد

دعوة

تراثنا

إصبعي السادسة

لغة وأدب

أنباء الكتب

فنون

رؤية

قيم

فكر

قراءة

ظاهرة

أسرتي

بريد القراء

منسيون

أعلام

منارات

ترجمات

جديد المعرفة

فتاوى الوعي

ينابيع المعرفة

مسك الختام

براعم الإيمان

      


 

مجلة الوعي الإسلامي - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - دولة الكويت

       <