2010-09-03

 532

 

 


التعويضات في حوادث النقل ... رؤية تجديدية

أخذ التعويضات من حوادث النقل من الأمور التي نوقشت كثيرا مؤخرا في عدة أبحاث، غير أنه ـ  حسب ظني ـ  مازالت تحتاج الى إعادة نظر في عدة قضايا تعد اشكاليات تقبل الاجتهاد من جديد، بالإضافة إلى اعتماد النظرات التجديدية التي ناقشت المسألة.

و القتل الخطأ في حوادث النقل وما يتبعه من أحكام يجعلنا نعيد النظر بشكل اجتهادي في عدة مسائل هي:

 المسألة الأولى: هل قيمة الدية توقيفية أم لا؟

 المسألة الثانية: مفهوم العاقلة في ظل الدولة الحديثة والنظام العالمي؟

المسألة الثالثة: هل تقسيم الدية أو التعويض يخضع لقواعد الميراث أم لا؟

 المسألة الرابعة: العلاقة بين الدية والتعويض

  قيمة الدية توقيفية أم لا؟

 من المقرر شرعا أن القتل الخطأ تجب فيه الدية، وهي ما يقدر بـ 4250 جراما من الذهب، لحديث النبي (صلى الله عليه وسلم) "وعلى أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم". والأصل أن الاسلام ليس شرطا من شروط الدية، لا في حق القاتل ولا حق المقتول، فأيما رجل قتل آخر خطأ، أو تسبب في قتله، وجبت الدية على القاتل للمقتول.

 و دليل وجوب الدية، قوله تعالى:" مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا اِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ اِلَى أَهْلِهِ اِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَاِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَاِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ اِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا" (1).

 و كذلك السنة النبوية، ومن ذلك ما ورد أن عمرو بن حزم روى في كتابه، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) كتب الى أهل اليمن:" وأن في النفس المؤمنة مائة من الابل، وعلى أهل الورق ألف دينار"(2)، وروى ابن عباس أن رجلا من بني عدي قتل، فجعل النبي (صلى الله عليه وسلم) ديته اثني عشر ألفا"(3)، وكذلك اجماع الأمة على ذلك.

 فالدية مشروعة بالكتاب والسنة واجماع الأمة، فقد نص القرآن عليه، وطبقها الرسول (صلى الله عليه وسلم) والأمة من بعده.

 وان كان الفقهاء اختلفوا فيما بينهم فيما يطلق على الدية، هل هو ما يدفع مقابل قتل النفس أو الجناية عليها فيما عدا النفس، أو هي المقابل لما حدده الشرع، أو كان بالاجتهاد، وليس في تحديده نص (4) غير أنه لا خلاف بين المذاهب كلها أن ما يدفع من مال مقابل قتل النفس هو دية.

 ولكن النظر الى النصوص الشرعية في قيمة الدية يلاحظ أنها ليست واحدة، فهي واحدة من ثلاثة.

 1ـ  مائة من الابل.

 2ـ  ألف دينار من الذهب

 3ـ  اثنا عشر ألف دينار من الفضة.

 وهذه الأنواع الثلاثة جاءت بنصوص شرعية، كما أن الدية ليست اختراعا اسلاميا، بل هو نظام اجتماعي قديم أقره الاسلام، وطبقه النبي (صلى الله عليه وسلم) وأقره.

اجتهادات فقهية

 ومن هنا يمكن طرح بعض التساؤلات والملاحظات التي من خلالها يمكن أن نبني بعض الاجتهادات الفقهية عليه، وهي:

 1ـ  أن الدية كنظام اجتماعي كانت قيمته مرتبطة بطبيعة البيئة، كما كانت أيضا مرتبطة بطبيعة النظام السياسي، فذكر قيمة الدية على أنها مائة ناقةŒ لها ارتباط بطبيعة الحياة للمسلمين في الصدر الأول في الاسلام، وبقي ردحا من الزمن، وأيضا الذهب والفضة كقيمة ضابطة للصرف، ولكن قيم هذه الأشياء مختلفة تماما، فقيمة مائة ناقة، غير قيمة ألف دينار من الذهب، غير قيمة اثني عشر ألف دينار من الفضة، وهذا يعني أنه يمكن اعتماد أن قيمة الدية لا يشترط أن تكون ثابتة، ولكنها لا تقل عن هذه المقادير، لأن التقليل من مقدار الدية له سند شرعي، وهو التصالح على قيمة الدية.

 2ـ  أن طبيعة الدية في القديم كانت مناسبة لغالب الوضع الاقتصادي، وكان رفعها عن هذا المقدار قد يسبب حرجا في عدم تطبيقها، وبطبيعة الحال، فان الشرع يسعى لتشريعات يطبقها الناس في حياتهم، لا أن تكون مجرد نظريات أو آراء تعتقد دون عمل، أو تكون هناك من العوائق ما يحول بينها وبين تطبيقها، أما الآن، فالوضع يختلف.

 3ـ  أن الشرع راعى في قيمة الدية طبيعة العاقلة، والتي كانت في الغالب اما القبيلة أو العشيرة، فدفع القبيلة أو "العائلة" دية يتوجب أن يخرج الناس من أموالهم الخاصة، بخلاف اخراج الدية من نظم اجتماعية أكبر.

 4ـ  أن القيمة التي وردت مختلف في بعض أنواعها، فالجمهور في الفضة على أنها اثني عشر ألف، وعند الأحناف عشرة آلاف، والجمهور على أنه لا يؤخذ في الدية غير هذه الأصناف الثلاثة، وذلك خلاف لأبي يوسف ومحمد بن الحسن في قوليهما يؤخذ من أهل البقر مائتا بقرة، ومن أهل الغنم ألف شاة، ومن أهل الحلل مائتا حلة يمانية(5)، ويستند لرأي الصاحبين بما روى الشعبي، أن عمر جعل على أهل الذهب ألف دينار. وعن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن عمر قام خطيبا، فقال: ألا ان الابل قد غلت: فقوم على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاة ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة (6).

 5ـ  أن الفقهاء قالوا بجواز التصالح على أقل من قيمة الدية، فيمكن قبول فكرة التصالح على أكثر منها ان كانت هناك فائدة مرجوة، أو لاقت قبولا عند أطرافها.

 6ـ  أن الدية، وهو ما يدفع بدلا عن قتل خطأ اختلفت الأعراف الدولية في القيمة المدفوعة، و أضحت تتجاوز التحديد الفقهي لها، فهل يمكن البقاء على ما ورد في النص، أم لابد من فهمه في السياق الاجتماعي له، وأن ينظر الى علة الحكم ومقاصده، فنسعى الى تحقيقها، وفق الظرف الاجتماعي الذي نعيشه الآن بما لا يتعارض مع مقاصد الشرع الحنيف.

العرف الإجتماعي

 وفي فكرة ارتباط الدية بالعرف الاجتماعي تأتي بعض السياقات التي على ضوئها يجب أن يكون الاجتهاد، من ذلك:

 أ ـ  أن قيمة ما يدفع عن القتل الخطأ في العرف الدولي يمثل أضعاف قيمة الدية التي تؤخذ من النصوص الشرعية، وهذا يعني ترسيخ مبدأ أن المسلم أقل في كل شيء، حتى في قيمة ما يدفع عن قتله خطأ، فهو أرخص في الحياة، وأرخص أيضا بعد القتل والوفاة.

 ب ـ  أن اعتبار قيمة الدية أقل مما يدفع في القتل الخطأ في الشأن الدولي يناقض مبدأ علو الاسلام، كما ورد في الحديث "الاسلام يعلو ولا يعلى"(7).

 ت ـ  أن الاجتهادات الفقهية في قيمة دية المسلم بالنسبة لقيمة غير المسلم لا تجعل المسلم أقل من غيره اتفاقا، وان كان الاختلاف في أن قيمة دية القتل في غير المسلم هل تساويه أو أقل منه، فإن مع ما أرجحه من كون دية القتل الخطأ لا علاقة لها بكفر أو ايمان، لأننا ننظر الى القيمة الانسانية التي تتعلق بأحكام الدنيا لا أحكام الآخرة، فإن من باب أولى ألا تقل قيمة دية المسلم عن غيره بأي حال من الأحوال.

 وفي ضوء تلك الاعتبارات التي نرى أنه يجب اعتبارها في مناط الاجتهاد يمكن اعتبار أن قيمة الدية لا تقف عند حد الألف دينار ­ وهو أعلى قيمة منصوص عليها، فإن تعارفت الأوساط الدولية أن تكون القيمة أكبر من هذا، فأرى أنه لا مخالفة للشرع هنا، لأنها حققت مقاصد الدية بشكل يتناسب مع طبيعة العصر، فالزيادة لا تعني الهدم في ضوء السياقات المرعية في الاجتهاد، بل هي حققت المقصود، ومعه زيادة لا ضرر فيها، تعارف عليها أهل الزمان.

 والذي نرجحه في هذا ألا تقل قيمة التعويض المالي من شركات التأمين الدولية عن قيمة الدية، فإن زادت، فلا بأس بقبول الزيادة، بناء على أن تقدير الدية في الشرع ليست شيئا واحدا، كما أن في دفع التعويض المالي الذي يزيد عن الدية، تدخل الدية فيه، وتكون الزيادة وفقا للشرط المتفق عليه في العقد.

 وجزء آخر، أن الشركات التي تدفع التعويض شركات تتبع دولا غير اسلامية، وهي ليست ملزمة بتطبيق الشرع، ولكن ان كانت هناك قوانين لا تخالف الشريعة، فلا بأس بالأخذ بها وان ادعى البعض أنه لا يجوز أخذ التعويضات، لأنه اقرار بالتأمين التجاري، والذي يحرمه جمهور الفقهاء، لم نسلم لهم هذا، لأن الأصل في التعويض أنه لا ارتباط له في دفع الدية في الاسلام، أما اشتراطه في القوانين الوضعية، فانه لا يسقط الحق في أخذ الدية أو التعويض.

 التعويض

 التعويض اصطلاحا هو: دفع ما وجب من بدل مالي بسبب الحاق ضرر بالغير.

 المسألة الثانية: مفهوم العاقلة في ظل الدولة الحديثة والنظام العالمي المتتبع لتعريف الفقهاء للعاقلة يجد لهم تعريفات متنوعة، وليس التنوع هنا تنوعا في ضوابط، بل هو تنوع في تعريف، بحيث نجد أن التعريفات مختلفة، أو على وجه التحديد، الاختلاف في بيان الجهة، مع الاتفاق في أن العاقلة هي الجهة التي تتحمل الدية عن الجاني دون أن يكون لها حق الرجوع عليه بما دفعته عنه بسبب ارتكابه الحناية. فليس الاختلاف في مفهوم العاقلة، ولكن الاختلاف في تحديد جهة العاقلة.

 فالبعض يفسرها بأنها العصبة، وهم الأقارب من ناحية الأب. وهناك خلاف حول دخول الآباء والأبناء معهم، وهو مبسوط في الفقه فليراجع هناك.

 ويرى البعض أن العاقلة هم أهل الديوان ان كان منهم، أو يرجع الى القبيلة (8).

 ويرى بعض الفقهاء أن العاقلة في العصر الحديث قد تأخذ أشكالا متعددة، فقد تكون هي العائلات الكبيرة، أو تكون الدولة، أو تكون المؤسسات والنقابات، و تكون شركات التأمين هي العاقلة، بناء على مبدأ ضمان الجريرة، ان كان قد تم فعلا.

 وتحمل الدية هنا، اما لانعدام العاقلة أو عجزها عند دفع الدية (9).

 والذي يترجح أن معنى العاقلة يتغير بتغير الأزمان والأمكان، فـ ما جادت به اليوم الدراسات الفقهية من بدائل معاصرة يعد ترجيحا القول بكون هذا الحكم معللا بعقلة معقولة المعنى،اذ مقتضى القول بالبدائل أن المعنى القار للعاقلة ليس ثابتا، بل يتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف"(10).

 وهذا الاجتهاد في مفهوم العاقلة أرى أنه ينبني على فعل عمر ­ رضي الله عنه­ حيث كانت العاقلة تقتصر على العصبة أو العشيرة،ولكنه لما رأى الاسلام انتشر جعلها على أهل الديوان، وان الفقهاء يرون أن جعل أهل الديوان من العاقلة باجماع الصحابة، لأنه لم يخالف أحد عمر في هذا فيصير اجماعا، ولكننا نأخذ منه أيضا مستند الاجتهاد في امكانية ايجاد صور أخرى للعاقلة لم تكن موجودة في عصور سابقة، قياسا على فعل عمر حين أدخل أهل الديوان في العاقلة، ولم تكن موجودة في الزمن قبل ذلك.

 وما أحسن ما قاله الامام ابن تيمية:" العاقلة في كل زمان ومكان: من ينصر الرجل في ذلك الزمان والمكان"(11).

 ولا شك أن اعتبار شركات التأمين تحل محل العاقلة هي أكثر الأمور شيوعا وانتشارا، كما أنها أجدى الوسائل في دفع العاقلة من حيث الشيوع والقدرة على أداء العاقلة، فما مدى مشروعية تحمل شركات التأمين للدية، وأن تحل محل العاقلة؟

 هناك بعض الدراسات الحديثة التي تقترب من اجازة أن تقوم شركات التأمين مقام العاقلة، من ذلك ما ذهب اليه الدكتور مختار السلامي أن تقوم شركات التأمين مقام العاقلة، والعلة في ذلك هو تغير الطبيعة الاجتماعية، وتفكك العلاقات بين العصبات التي كان من الواجب أن تقوم بها، ولكنه حصرها في شركات التأمين الاسلامية (12).

 بينما يرى الدكتور أحمد الحداد جواز قيام شركات التأمين بما فيها الشركات التجارية مقام العاقلة، ويبني ذلك على أساسين:

 الأول: أن التأمين على السيارات وغيرها يكون الزاميا، وتتحمل شركات التأمين آثار المخاطر الناجمة عن سلوك السائق بما في ذلك دفع الدية.

 الثاني: أن ما تقوم به شركات التأمين من دفع الدية هو من قبيل التبرع، لعجز الجاني وعاقلته، والتبرع جائز شرعا (13).

 و يرى بعض الباحثين المعاصرين، أن اعتبار شركات التأمين تقوم مقام العاقلة غير مقبول شرعا، لما يلي:

 1ـ  اعتبار ما ذهب اليه جمهور الفقهاء من كون التأمين التجاري محظورا شرعا.

 2ـ  أن المدفوع من شركات التأمين، انما هو للجاني، وليس للعاقلة.

 3ـ  أن ما تدفعه شركات التأمين ليس حقيقة تبرعا، بل هو عقد الزامي.

 4ـ  أنه ليس من الانصاف اعتبار شركات التأمين كلها غنية قادرة على الوفاء بالدية، فبعضها غني وبعضها فقير مقارنة بما قد يدفع من تعويضات، وخاصة في الحوادث التي قد يموت فيها عشرات ومئات من الناس.

 5ـ  أن القول بتحمل شركات التأمين الدية هو انتصار للرأي المرجوح الذي ذهب اليه الأصم من كون الدية على القاتل وليس على العاقلة، وما يتبع ذلك من الغاء لمقاصد الشرع في جعل الدية على العاقلة، من التناصر والتآزر وتوثيق العرى الاجتماعية بين الناس (14).

 الترجيح

 نرى أنه لا بأس باعتبار شركات التأمين أحد أشكال العاقلة، ولا تقتصر العاقلة عليها، ولكن نفيها فيه الغاء للدية في كثير من الأحيان، واستنادنا يقوم على ما يلي:

 1ـ  أن الأحناف اعتبروا أن النصرة ان كانت بالمهنة والحرفة، كان أهل الحرفة هم عاقلته (15).

 2ـ  ترجيح ادخال القاتل في تحمل جزء من الدية، فان كانت العاقلة تتحمل، فلا ينفي هذا دخول القاتل أو المتسبب في القتل الخطأ في تحمل الدية مع العاقلة.

 بل كما يشير الدكتور محمد كمال امام أنه يجب أن نفرق بين من يدفع الدية، ومن تجب عليه، وهو يذهب الى أن الدية تجب على القاتل ابتداء، من باب تحمل المسئولية الجنائية، سواء أكان ذلك في العمد، وهو أمر متفق فيه الفقهاء، أو كانت خطأ، أما دفع العاقلة للدية، فهو من باب النصرة والمواساة.

 3ـ  أن تحديد العاقلة بشكل معين ليس فيه نص قاطع، فيكون محلا للاجتهاد حسب طبيعة كل عصر ومصر، فاذا كانت الشركات التي تقوم بالنقل سواء أكانت طائرات أو باخرات تشترك مع شركات التأمين العالمية، فان العاقلة هنا تكون بمعنى مختلف عن مفهوم العاقلة الذي يقتصر على العصبة من الأقارب.

 4ـ  أن السنة النبوية جاءت بشكل من أشكال العاقلة، وهو القبيلة، بل ورد أن بعض الديات تحملتها قريش، مع كون قريش ليسوا عائلة كلهم أقارب عصبة، وفيه معنى لتوسيع دائرة الارتباط الاجتماعي، وهو ما فعله عمر حيث أورد شكلا جديدا من العاقلة، وان لم يرد به نص.

 5ـ  أن طبيعة العاقلة الواردة في السنة مبنية على طبيعة العلاقات الاجتماعية والروابط الانسانية آنذاك، وفي مفهوم الدولة الحديثة نجد أشكالا اجتماعية أخرى غير العصبة والقبيلة وأهل الديوان، والقول بحصر العاقلة على الوارد لا دليل له، لأن كل ما ورد كان قضاء من النبي (صلى الله عليه وسلم) في صورة الفعل وليس في صورة القول، فمن الواجب استصحاب ملابسات الفعل النبوي، واعتماد ما ذهب اليه جمهور الفقهاء من كون علة دفع العاقلة للدية معقولة المعنى، يجوز فيها الاجتهاد.

 6ـ  أن اقتصار مفهوم العاقلة على الأشكال المحددة يترتب عليه الآن الغاء الدية، والشرع يتشوف الى تطبيق أحكامه لا الى تعطيلها.

 7ـ  أن غالب شركات النقل تتبع رابطة دولية، وأن الناس تعارفوا على جعل شركات التأمين احدى جهات دفع الدية، وتخصيص العاقلة بجهة محددة لا يجوز الخروج عنها غير مسلم به.

 قال الشيخ محمد مختار الشنقيطي:" ويدل هذا على مشروعية العاقلة بالأحلاف بين القبائل، فاذا وقع الحلف بين القبيلة والقبيلة على المناصرة والمؤازرة والتحمل، فان هذا له أصل في الاسلام، ومحمول على ما ورد عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من أنه أبقى حلف آبائه وأجداده مع خزاعة، مع أنه حلف مع القبيلة، فاذا وقعت المناصرة بين قبيلة وقبيلة وبينهم حلف، فان هذا الحلف تجب به المناصرة، وتتحمل به القبيلة عن القبيلة الأخرى اذا حصلت دماء، وحصلت ديات كثيرة لم تستطع القبيلة الأولى أن تتحملها، فانها تنتقل الى القبيلة الثانية بالحلف. والعاقلة في الأصل .. من جهة النسب ومن جهة الولاء، ويلتحق بذلك حلف القبائل .. لثبوت السنة به، وقد حمل بعض العلماء قوله تعالى: (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) (16)، على أن المراد به التعاقد باليمين، والحلف على النصرة بين القبائل بعضها مع بعض .... والحلف اذا كان على الوجه الذي ذكرناه، وكان على أمور شرعية لا جاهلية فيها فانه مشروع، ولذلك النبي (صلى الله عليخ وسلم) قال في الحديث :(شهدت بدار عبد الله بن جدعان حلفاً ما أُحب أن لي به حُمر النعم ولو دُعيت لمثله في الاسلام لأجبت) وهذا الحلف: هو حلف الفضول، وحلف الفضول وقع في دار عبد الله بن جدعان في أنهم يناصرون المظلوم، ويعينون المحروم، وأنهم يعينون الحاج والمنقطع، ونحو ذلك من الأمور التي لا تخالف شرع الله عز وجل" (17).

 فاذا كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد تحمل الدية مع خزاعة، لأنه كان بين أجداد النبي (صلى الله عليه وسلم) وخزاعة حلفا، فمن باب أولى أنه اذا اتفقت الدول فيما بينها على ما أسموه حديثا بـ "التعويض"، فلا بأس باقراره، لأنه يحقق معنى من معاني الدية المشروعة، ففيه منها وجه معتبر، فيعتبر شرعا، سواء أكان ذلك من خلال المحاكم الدولية، أو من خلال بعض الهيئات أو المؤسسات أو الجمعيات أو الشركات أو غيرها.

 ثم ان من يستحق الدية هنا لم يؤمن على حياته مع شركات التأمين، ولكن المؤمن هو شركات النقل، فلا يحتج بعدم دفع شركات النقل البحري للدية، لأن شركات النقل البحري سبب في الدفع.

 ولأن ما يأخذه أهل القتيل ليس عن اشتراكه في شركات التأمين، بل هو من الشركات التي تقوم بالنقل.

 وهذا يرد عن شبهة كون التأمين التجاري حراما، فانه ان كان حراما، فهو حرام على فاعله،وليس على آخذ الدية، لأن قبول الحقوق من أصحابها لا يشترط فيه البحث عن مصادر كسب من تجب عليه الحقوق، مع اعتبار أن هناك خلافا في حكم التأمين التجاري بين الفقهاء، فحرمه الجمهور، وأباحه بعض الفقهاء كالعلامة الشيخ مصطفى الزرقا والشيخ عبد الوهاب خلاف والشيخ عبد الرحمن عيسى والشيخ علي الخفيف رحم الله الجميع ..

 أن هناك اتفاقا بين شركات التأمين العالمية هي التي تقوم بدفع التعويضات للطائرات والبواخر وغيرها، واذا كانت تلك الشركات العالمية تمثل غلبة غير مسلمة، فليسوا بمأمورين باقامة الشرع، فقد يحل عندهم مالا يحل لنا، ولطبيعة الاتفاقات الدولية، ولسير التعاون الدولي بين البشر، تقوم تلك الشركات بدفع الدية، ثم بعد ذلك يختلف الفقهاء في قبولها من عدمه، وان كنت أرى القبول.

 وهذا الحكم يمكن قيامه بما يعرف في الفقه بـ "عموم البلوى"، وذلك أن شركات التأمين لها رابطة عالمية، فلا يمكن تجاهل هذا الوضع الدولي، وقبوله قد يكون من باب الضرورة، والالتزام بالقانون بحكم القاضي.

 أما اذا أردنا أن نغير طبيعة التعامل مع شركات التأمين، فيمكن رفع دعوى للمحكمة الدستورية لتغيير القانون، كما يشير الى ذلك شيخنا الدكتور محمد كمال امام (18).

 على أنه يجب ألا تقتصر الدية على شركات التأمين، بل يجب أن تأخذ أشكالا متعددة حتى تبقى الدية شرعا مطبقا، فتكون في العصبة عند القدرة، وفي أهل الديوان، والنقابات المهنية، وشركات التأمين، وتدخل الدولة أيضا في تحمل الدية عند عدم وجود من يدفعها، وبهذا نوسع مدلول العاقلة.

 والاختلاف القائم بين الفقهاء في التأمين التجاري، أما التامين التعاوني أو التبادلي، فهو مباح شرعا، فتدخل جهاته في العاقلة.

 على أنه يجب التذكير بشروط تحمل العاقلة الدية، وهي:

 1ـ  أن تكون واجبة بالخطأ لا العمد، بينة لا لبس فيها على الجاني،و قد ورد عن ابن عمر وابن عباس أيضا:" العمد والعبد والصلح والاعتراف لا تعقله العاقلة" (19).

 2ـ  أن تكون الدية واجبة عن ضرر بدني، لا عن ضرر مالي.

 3ـ  أن تكون الدية مما يجحف الجاني تحملها، كدية النفس، أو ما زاد عن النصف وما شابهه، بما في ذلك من خلاف بين الفقهاء (20).

 المسألة الثالثة: هل تقسيم الدية أو التعويض يخضع لقواعد الميراث أم لا؟

 الدية تكون لأهل القتيل، فـدية النفس موروثة كسائر أموال الميت حسب الفرائض المقدرة شرعا في تركته فيأخذ منها كل من الورثة الرجال والنساء نصيبه المقدر له باستثناء القاتل، وذلك لقوله تعالى (ودية مسلمة الى أهله) (21)،

 ولما رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله قال:" العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم" (22)،، وهذا قول أكثر الفقهاء. وذكر ابن قدامة رواية أخرى عن علي رضي الله عنه قال: لا يرث الدية الا عصبات المقتول الذين يعقلون عنه، وكان عمر رضي الله عنه يذهب الى هذا ثم رجع عنه لما بلغه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) توريث المرأة من دية زوجها. فقد ورد في حديث الضحاك الكلابي قال: كتب الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها أشيم" (23)، واذا لم يوجد للمقتول وارث تؤدى ديته لبيت المال، لقوله (صلى الله عليه وسلم):" أنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه"(24).

 واذا كانت شركات التأمين الغربية، تسعى لتقليل التعويض المالي عن الدية، من خلال أن يأتوا بالأقارب من الدرجة الأولى، فان الأصل هو تحديد الدية أولا، ثم تقسم على من يستحقونها وليس العكس.

 أما الطريقة التي تحتسب بها التعويضات من تحديد الضرر الواقع على كل شخص، واعتبار مقياس مفترض لحياة الشخص لولا الوفاة في وسيلة نقل، وحسبان ربحه ودخله، ومدى استفادة كل شخص منه بطريقة حسابية، فمثل هذه الطريقة لا اعتبار لها في الشرع، لأن المال المتروك كانت وفاة الشخص سببا فيه، وكما يقول شيخنا الدكتور محمد كمال امام: فان مثل هذا المال لم تدخل فيه ارادة الميت، بل أصبحت جزءا مما تركه الميت، وهي أشبه بالديون المستحقة، وهي من عناصر التركة الشرعية، فلا يقسم الا حسب قواعد الميراث.

 المسألة الرابعة: العلاقة بين الدية والتعويض واذا كانت الدية تختلف عن التعويضات، فان تعريف الدية في الشريعة هو الذي يجعلنا نحدد ما الذي يؤخذ في مثل هذه الحوادث، فقد عرف بعض الحنفية بأنها اسم للمال الذي هو بدل النفس. ومثله ما ذكر في كتب المالكية. حيث قالوا في تعريفها: هي مال يجب بقتل آدمي حر عوضا عن دمه (25)، لكن قال في تكملة الفتح: الأظهر في تفسير الدية ما ذكره صاحب الغاية آخرا من أن الدية: اسم لضمان (مقدر) يجب بمقابلة الآدمي أو طرف منه، سمي بذلك: لأنها تؤدى عادة وقلما يجري فيها العفو، لعظم حرمة الآدمي. (26) وعلى هذا، فان ما يؤخذ مقابل النفس في القتل الخطأ هو دية، والدية تعويض شرعي، بخلاف التعويض المدني.

 وان كانت دار الافتاء المصرية في بعض فتاواها قد فرقت بين الدية والتعويض، فليس المقصود أن نأخذ التعويض المدني في قتل الخطأ وأن نترك الدية، ولكنها تفرق بينهما من حيث الماهية والتعريف، وعدم التزام القوانين الوضعية بالحد الشرعي في التعويض.

 ولأن التعويض يعتبر فيه الضرر الأدبي النفسي، ولكن الدية لا يعتبر فيها هذا الجانب، فان الحزن الناتج عن الفراق قد تكون له وسائل عديدة، ولكن التعويض المنضبط هو ما جاء في الدية أو ما يلحق بها من الأرش وغيره.

 وهذا ما صرح به فضيلة العلامة الشيخ جاد الحق ­ رحمه الله ­ حين قال:" والحكمة من شرعية الدية وتقديرها، هى رفع النزاع فى تقدير القيمة اذا وكل الى أولياء القتيل .. وحتى لا يغالب هؤلاء أهل القاتل. وحتى يدخل الناس فى تقديرها عناصر أخرى غير الآدمية، اذ مهما اختلفت منازل الناس وأجناسهم، فهم جميعًا أمام تقدير الدماء سواء فلا تفاوت بينهم، لذلك لم يترك الشارع أمر تقديرها للحاكم، بل تولى تقديرها بنفسه".

 والدية المقررة فى شريعة الاسلام، لا تدخل فى نطاق التعويض أو الغرامة التى تتردد فى قانون العقوبات الوضعى .. ذلك لأن الدية وان أشبهت الغرامة لما فيها من معنى الزجر للجانى بحرمانه من جزء من ماله، الا أنها تخالفها فى أن الجانى لا يتحمل عبء الدية وحده فى أغلب الأحوال، كما أنها لا تؤول الى الخزانة العامة كالغرامة .. كما أن الدية تختلف عن التعويض اذ يدخل فى عناصر تقدير التعويض مقومات متعددة، مادية وجسدية وأدبية، بينما الدية جاءت مقدرة شرعًا، غير داخل فى تقديرها احتساب كل ما نتج عن الجريمة من الأذى والخسارة"(27)

 غير أن سؤالا يطرح نفسه: هل هناك من نصوص الشريعة ما يمنع أخذ التعويض مع الدية الشرعية؟

 الجمع بين التعويض والدية في آن واحد لم يتطرق اليه الفقهاء القدامى، وأرى أن المسألة مازالت محل بحث واجتهاد، وان كنت أفهم مما كتبه الفقهاء من أنه لا يجمع بين الدية والتعويض، غير أني أعتد بما قاله العلامة الدكتور محمد كمال امام في رأيه عن هذه الاشكالية، حيث يرى أن القواعد الفقهية لا تمنع الجمع بين الدية والتعويض، ويتساءل الدكتور امام عن كيفية تخريجه، وهل يصح قبول التعويض ان حكم به القضاء من باب اعتباره مصلحة، لا اعتباره دينا، و ان كنت أرى أنه لا يمكن القطع في المسألة بالايجاب، وأن يبقى المنع أقرب لقواعد الفقه، على أن هذا الحكم قد يختلف، وينتقل من الحظر للاباحة ان كان هناك ما يدعو الى وجود تعويض، لا أن تكون فكرة التعويض والدية مجتمعتين، لأن البحث في اعتبار التعويض أساسا هو تغيير في فكرة الدية، بخلاف الاجتهاد في قيمة الدية.

التعويض الأدبي

 أما ما يخص التعويض الأدبي، وهو اعتبار ما أصاب أهل القتيل من ضرر نفسي من حزن وأسى، فان الأمر يحال الى القضاء ليحكم بصحة وقوع الضرر، وان كنت أميل الى أنه لا يعتبر التعويض المادي عن الضرر المعنوي، لأن الغالب أن يكون التعويض من جنس المفقود، وكما أن الحزن للفقد موجود بالطبيعة البشرية، سواء أكان عن طريق الموت أو القتل العمد أو القتل الخطأ، وفي وجود الدية لا معنى للتعويض الأدبي في حال القتل الخطأ، والا، فان مآل مثل هذه الأحكام هو تحويل الانسان الى سلعة أو بضاعة أو متاع ينتفع به في الحياة، فان هناك من الأشياء ما لا يمكن تعويضها بعد فقدها

 الخلاصة

 أن الواجب ألا تقل قيمة الدية عن القيمة الشرعية، والتي هي 4250 جراما من الذهب، لأنه مقدار ألف دينار من الذهب كما جاء في الحديث، وان كان هناك اتفاق مع من يقوم مقام العاقلة الحديثة أن تزيد القيمة عن هذا، فلا بأس بالانتفاع به وأخذه. وخاصة ان كانت الشركات تدفع في حوادث بلاد غير المسلمين قيمة أعلى، فلا يكون المسلم أقل من غير المسلم في قيمة التعويض، اذ الاسلام يعلو ولا يعلى (28).

 وأن التعويض المأخوذ يقسم حسب الأنصبة الشرعية في المواريث، على أن يقسم ما يؤخذ من مقدار الدية أو ما زاد عنه، لا أن تحدد قيمة التعويض حسب عدد الورثة وأن العاقلة متفق على تعريفها، وهو من يقوم بدفع دية القتيل عن القاتل لروابط تجمع العاقلة مع القاتل، ولكن يمكن التوسع في أشكالها لتشمل الوزارات والنقابات وشركات التأمين والدولة وغيرها مما يحقق مقصود الشارع من أنه ليس هناك دم هدر في الاسلام، على أنه لا تلغى الأشكال الأساسية من العصبة والديوان، ولكن يتوسع فيها بما يحقق مصلحة دفع الدية.

 واذا كان هذا كذلك، فلا يجوز الجمع بين الدية والتعويض الحديث، لأن الدية في ذاتها تعويض.

 كما أنه يجب ألا يتحايل على القانون حتى نتكسب أموالا قدر استطاعتنا، كأن يدعي كل قريب للمتوفى أنه حزن وتأثر بحسنه، سواء ماديا أو معنويا، لأن فيه فتحا لباب شر، وليأخذ بعض الناس ما لا يستحقون، وهذا ينافي مبدأ العدل، وهو أقرب لصورة من التسول المقنن.

 

 



بقلم الكاتب:  مسعود صبري ـ الكويت

عدد القرآء: 8966


الصفحة الرئيسية

الافتتاحية

أنشطة

مناسبات

حوار

رثاء

ملف العدد

دعوة

تراثنا

إصبعي السادسة

لغة وأدب

أنباء الكتب

فنون

رؤية

قيم

فكر

قراءة

ظاهرة

أسرتي

بريد القراء

منسيون

أعلام

منارات

ترجمات

جديد المعرفة

فتاوى الوعي

ينابيع المعرفة

مسك الختام

براعم الإيمان

      


 

مجلة الوعي الإسلامي - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - دولة الكويت

       <