2010-09-03

 532

 

 


تحليل سياسي - الأمة الواحدة وتكامل دوائر الانتماء

اخبرنا الله عز وجل في محكم تنزيله أن أمتنا واحدة {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ }(الأنبياء: 92) {وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}(المؤمنون: 52) فعلى مدار تاريخ الأمة الذي يمتد أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان كان معيار الوحدة هو الذي تعرف به حال الأمة قوة وضعفا فكلما استمسكت الأمة بحبل ربها وعضت على وحدتها بالنواجذ كانت أقدر على مواجهة عدو الله وعدوها. وربما كان إدراك الأعداء لهذا الملمح وراء اتباعهم لسياسة التفرقة، فلا يمكن هزيمة أمة متحدة لذلك كان شعار كل احتلال «فرق تسد».

وإن الذي يتأمل التاريخ يجد أن سبب قوة الأمة في عصور قوتها هو جمع كلمتها وتوحيد صفها، وإعلاء همتها، وتزكية نفوس أفرادها مما أدى إلى دحر أعدائها، أما في عصور ضعفها فالسبب يرجع إلى فرقتها واختلافها إلى شيع ومذاهب وأحزاب متناحرة، فأدى ذلك إلى ذلة الأمة ومهانتها حتى هانت على أعدائها كما في زماننا هذا.

عديدة هي عوامل وحدة الأمة الإسلامية ومقوماتها ولعل أول هذه المقومات هي وحدة العقيدة الجامعة ثم وحدة الشريعة الخاتمة ثم الأخوة الإيمانية أو الإسلامية العامة وأخيرا فإن أهم ما يجمع تلك الأمة في واقعها المعاصر هي الآمال والآلام المشتركة (وحدة المصالح والغايات ووحدة التحديات والمخاطر).

ولعل هذا الذي قصده شيخنا العلامة يوسف القرضاوي بقوله عن هذه الوحدة: «وهي التي تعمل القوى العالمية والمحلية المعادية للإسلام على إجهاضها قبل أن تولد، وعلى وأدها بعد أن توجد، فإن أعياها هذا أو ذاك، فلتحاول تضليله عن الهدف الحقيقي بأهداف موهومة، وشغله عن معركته الكبرى بمعارك جانبية تافهة، تعوقه عن السير بصدامات تفتعلها على الطريق، وإلهائه عن ضرب العدو بضرب بعضهم ببعض، وإغراقه في دوامة من الجدل لا يخرج منها... إلى غير ذلك من أسباب الفتنة وأساليب الكيد، وهو عنها غافل».

إن دوائر الانتماء القطرية والمذهبية والفكرية كانت على مدار تاريخ أمتنا من أشد معالم تنوعها وأهم دلائل ثرائها الحضاري والنفسي والاجتماعي وكانت دوائر الانتماء تمثل طبقات بعضها فوق بعض في تداخل وانسجام إذ تمثل أقطار الأرض وأجناسها وثقافاتها فتتكامل ويسد بعضها نقص بعض، ويعالج بعضها خلل بعض، ذلك أن التداخل بين دوائر الانتماء إنما يوثق قوى التماسك في المجتمعات والدول ويدعم الشعور بالمساواة، لأن الأفراد إذا تمايزوا بمعيار فستوحِّد بينهم معايير، حيث تتقاطع دوائر الانتماء العائلي أو القبلي، الوطني، القومي، الديني ولا تتصارع ذلك أنها تشبه دوائر متكاملة ذات مركز واحد.

فلما غفت الأمة غفوتها المعاصرة كانت عوامل الثراء والتنوع من أهم ما نفذ منه الاحتلال الثقافي والسياسي للمحور الحضاري الذي يمتد من طنجة إلى جاكرتا فلعب الاحتلال على الاختلافات القطرية والمذهبية فعمقها وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم، وأصبح التآكل بين دوائر الانتماء بديلا عن التكامل والتعاضد.
إن أحد جوانب الحيوية الأساسية للأمة في خبرتها الحضارية: هو أن مفهوم الأمة يعترف بتعددية دوائر الانتماء الفرعي وتداخلها، دون تناقض بينها، حيث يسوده ولاء واحد، وتصاعد في الولاء وتدرج، يتحقق بوجود اتفاق حول مرجعية عليا يحتكم إليها الجميع (عناصر ومكونات المرجعية العليا للأمة الإسلامية)، ومن ثم فإن تعدد وتداخل دوائر الانتماء للجماعات والأفراد كان يتم في إطار من الوحدة الجامعة التي تتحقق أساساً في ظل الاتفاق أو الاعتراف بمرجعية واحدة عليا تهيمن على جميع مفردات دوائر الانتماء.
لذلك تجد تعدد خطابات القرآن الكريم بتعدد دوائر الانتماء فهناك خطاب {يَأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(البقرة: 21)، وهناك خطاب المؤمنين {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا ْوَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ}(البقرة: 104) وهناك خطاب ولاية أولوا الأرحام بعضهم ببعض {وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَـئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}(الأنفال: 75) وهناك خطاب النفس {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(التحريم: 6).
ونجد حنين النبي ۖ لبلده الأصلي مكة، وكل هذه النصوص تدل على تعدد دوائر الانتماء وتداخلها وأنه لا يجب أن تجور دائرة على أخرى.
ولعل هذا الذي يجعلنا نؤكد على أن القاعدة الحاكمة: أنه في حالات قوة الأمة وصحوتها تتكامل دوائر الانتماء وفي حالات ضعف الأمة وغفلتها تتصارع تلك الدوائر، بل وتتحول عوامل الثراء إلى عوامل تفرقة وتشتيت.
إن المنهج الذي تحتاجه أمتنا في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها هو الجامع الذي يؤلف بين جميع دوائر الانتماء الوطنية والقومية والإسلامية والإنسانية في تكامل وتداخل وانسجام، بل وداخل الوطن الواحد حيث تتعدد دوائر الانتماء داخل أغلب دولنا العربية والإسلامية.



بقلم الكاتب:  المجلة

عدد القرآء: 1924


الصفحة الرئيسية

الافتتاحية

أنشطة

مناسبات

حوار

رثاء

ملف العدد

دعوة

تراثنا

إصبعي السادسة

لغة وأدب

أنباء الكتب

فنون

رؤية

قيم

فكر

قراءة

ظاهرة

أسرتي

بريد القراء

منسيون

أعلام

منارات

ترجمات

جديد المعرفة

فتاوى الوعي

ينابيع المعرفة

مسك الختام

براعم الإيمان

      


 

مجلة الوعي الإسلامي - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - دولة الكويت

       <