2010-09-03

 532

 

 


العقل الإسلامي: المفهوم ـ الأمة ـ الحلول

 1 ـ توطئة

 خلال عصور مضت، استطاع المسلمون أن يوظفوا عقولهم المستنيرة بالوحي الإلهي لإدراك قدرة الله عز وجل، وعجائب صنعه، ولاكتشاف أسرار هذا الكون البديع وخباياه التي تدل على عظمة خالقه، ولقد كان العقل المسلم في تلك العصور الزاهية عقلاً مبدعاً معطاء، لا يكف عن التأمل والإبداع والابتكار، لكن الزمن دار دورته، فتعطل هذا العقل عن العطاء ولم يعد له ذلك الحضور الفكري الذي كان يحظى به، من هنا وجب على المفكرين والدارسين والباحثين أن يهتموا بهذه الظاهرة لكي يجدوا سبل الخروج من أزمة العقل المسلم وتداعياتها التي تنيخ بكلكلها على واقع المسلمين ومستقبلهم·

 2 ـ مفهوم العقل

 العقل الإسلامي هو عبارة عن نشاطات ذهنية وفكرية ينجزها هذا العقل، مستخدماً أساليب ملتزمة بفاعلية وقدرة على فهم الواقع وتحليله، واستنتاج ما يمكن استنتاجه لكل ما يتناوله من قضايا ويعالجه من مشكلات· إن العقل الإسلامي يشكل قدرة فكرية مدركة هائلة، يمكنها أن تميز بين الطيب والخبيث، والحسن والسيئ، والصالح والطالح، واتباع سبيل الهدى والابتعاد عن طريق الخسران، والثبات على المحجة البيضاء بعيداً عن ملوثات العصر من نفاق وطمع وغيرها من المعاصي التي يدعو إليها الشيطان وحزبه·

 إذا كان العقل يُعد نعمة عظيمة من نعم الله عز وجل التي أسبغها على الإنسان، فإنه أيضاً يعتبر مناط التكليف، فبفضل هذا العقل ميز الخالق سبحانه بني آدم على سائر المخلوقات وفضلهم على غيرهم بتمتيعهم بشتى أنواع المعارف والعلوم ليتخذوها أسباباً بغية تحقيق غايات دينية واجتماعية واقتصادية حث عليها الإسلام، يقول الله عز وجل: (ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر)·

 لقد عدَّ أهل العلم العقل من ضرورات الحياة الخمس وهي: الدين والنفس والعقل والعرض والمال· وإدراك العقل الذي يقوم أساساً على المنطق والاستدلال والبرهنة بالحجة يختلف عن إدراك القلب وهو جوهر الإنسان الذي يقوم على الإحساس الصادق والرؤية الحق، وقد عبر القرآن عن هذا الإدراك القلبي بقوله: (ما كذب الفؤاد ما رأى) النجم:11·

 لقد كان العقل الإسلامي، في عصور خلت، متوهجاً ومتدفقاً عطاء ونماء، وكان مفخرة لمسلم حقاً، حتى أن شخصيته كانت تُقاس بما قدّم عقله من عطاء فكري، لكن هذا التوهج انطفأ، وهذا التدفق توقف، وينابيع العطاء نضبت، فكيف الخروج من النفق؟

 3 ـ أسباب أزمة العقل الإسلامي

 يقول الأستاذ عبدالصبور شاهين: >إن قضايا علم الكلام هي قضايا الغيب المطلق المحجوب ولا يعقل أن يكون للتجربة دور في معالجتها· تذكرنا في رد هذا الرأي ما قاله عربي يعيش على فطرته، وينطق على سجيته دون أن يكون قد ألمَّ بشيء من منطق أرسطو: >البعرة تدل على البعير، وأثر السير يدل المسير، فسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، ألا يدل ذلك كله على الله اللطيف الخبير<، وكلمات هذا الأعرابي ألصق بالمنهج التجريبي القائم على الملاحظة، وأقرب إلى التأثير في النفس، وأقدر على إقناع العقل من أي صيغة قياسية ما في ذلك شك··· لقد أصبح سيئاً للغاية أن ينطلق رجل الدين أمام الناس، أو أمام الطلاب بقضايا متقادمة، قال بها الأولون، دون أن يحاول مزج المعرفة التقليدية بالجديد، وأكثر ما تتجلى هذه المعرفة التقليدية في علم التوحيد أو الكلام أو مباحث العقيدة على اختلاف المصطلحات، حيث يصر بعض الأساتذة على حكاية النزاع بين المعتزلة وأهل السنة، والفرق بين الأشاعرة والماتريدية، ووجهة نظر الخوارج والشيعة، والخلاف بين الجبرية وغيرهم، وتناقض ما بين العقل والنقل أو تساندهما، وكل ذلك دائر في حلقة فارغة، بعيدة عن مجال تفكير الشباب المتحول، لأن هذا الكلام كله قد أدى وظيفته على خير وجه، حين كان جزءاً من صراع عصره حول المفاهيم والقيم، فلما مضى عصره أصبح جزءاً من تاريخ الفكر، لا أساساً من أسس النقاش الحي النابع من التجربة المعاشة<·

 من أخطر ما عرفه العقل الإسلامي نظرية الجبر المطلق القائلة بأن الإنسان مجبور لا يستطيع أن يعمل غير ما عمل مما هو مقدور عليه، وأن الله تعالى يخلق أفعاله، ويستدل عليها بمثل قوله تعالى: (من يضلل الله فلا هادي له ونذرهم في طغيانهم يعمهون)·

 لقد استكان كثير من المسلمين لمثل هذه الأفكار السامة، ارتاحوا لها، فقد كانت تعتبر متنفساً عقائدياً لهم عن ظروف القهر التي عاشوها، وحالة التخلف الفكري والسياسي الذي كان ينخر جسد أمتهم العليلة، بل برروا بها واقعهم المرير بما فيه من انحراف عن النهج القويم، وابتعاد عن الصراط المستقيم، واعتبروها مسوغات شرعية تقبله عقولهم وترضاها أنفسهم وذلك تحت غطاء المكتوب الذي لا ينفع معه هروب كما يُقال· وقولة أحد الطرقيين أبرز مثال على هذا الفكر المنحرف، إذ قال مبرراً الحملة الهوجاء التي شنتها فرنسا على الجزائر لمحو الشخصية الإسلامية في ذلك البلد وجعل الجزائر فرنسا ثانية· قال: >إن كنا قد أصبحنا فرنسيين فقد أراد الله ذلك، وهو على كل شيء قدير، فإذا أراد الله أن يمسح الفرنسيين من هذه البلاد فعل، وكان ذلك عليه أمراً يسيراً، ولكنه يمدهم بالقوة وهي مظهر قوته، فلنحمد الله ولنخضع لإرادته<· إن هذا الفكر الاستسلامي الاستكاني لا يرضاه الشرع للمسلم ولا تقره سنة التطور، وحتمية التدافع التي تحدث عنها القرآن الكريم·

 وهكذا لم يعد لقدرة الإنسان وحريته في الفعل والحركة أي أثر في مثل تلك العقلية الإسلامية علماً أن ما يميز الإنسان عموماً عن باقي المخلوقات هي صفة الإرادة·

 لقد اعتاد الناس على الميل إلى العجز والقصور في تدبير شؤون الحياة بما يكفي من الهمة والنشاط والطموح في تحقيق مستقبل زاهر، والتقاعس عن بذل الجهود، وطلب الوسائل والأسباب لبلوغ الأهداف والغايات المرسومة، فالإنسان قادر على تغيير الواقع الذي يعيش فيه، لكن هناك شرط ساسي لعملية التغيير هذه، ألا وهو أن يغير ما بنفسه أولاً، مصداقاً لقول رب العزة والجلال: (لا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) إذاً، هناك إمكانية كبيرة لتحقيق نشاط الفرد، وقدرته على الفعل والتأثير، لكن شرط أن يتم ذلك عبر إرادة قوية من هذا الإنسان، وتوفيق من الله··· لقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً على الإمام علي رضي الله عنه بعد صلاة العشاء، فوجده قد بكر بالنوم، فقال له: هلاَّ قمت من الليل؟، فقال: >يا رسول الله، أنفسنا بيد الله إن شاء بسطها، وإن شاء قبضها<، فغضب الرسول عليه الصلاة والسلام وخرج وهو يضرب على خذه قائلاً: >وكان الإنسان أكثر شيء جدلاً<، هناك مثال آخر على ما ذكرناه، بحيث أن أحد اللصوص سرق، فلما حضر بين يدي عمر بن الخطاب رضي الله عنه سأله: لماذا سرقت فقال اللص: قدَّر الله ذلك، فقال عمر: اضربوه ثلاثين سوطاً، ثم اقطعوا يده، فقيل له: ولِمَ؟ فقال: >تُقْطع يده لسرقته، ويضرب بالسوط لكذبه على الله<··· إن عقيدة الجبر شكلت أبرز مظاهر أزمة العقل الإسلامي، فهي دخيلة على الإسلام· إن الله عز وجل خلق كل شيء، ومن خلق الله وتقديره أنه جعل للإنسان قدراً من الإرادة يختار بها بين الهدى وسبيل الضلال·

 4 ـ العقل في القرآن

 لقد جاء القرآن الكريم مليئاً بذكر مادة العقل في كثير من الآيات الكريمات، مانحاً لهذا العقل أهمية واضحة، إذ دعا غير ما مرة إلى استخدام الفكر واستعمال العقل الذي يؤمن بالاستدلال وينكر التبعية والتقليد الأعمى دونما تدبر أو تمعن، وذلك بغية أن لا يزيغ الإنسان عن الطريق القويم، بل إن القرآن العظيم أجاز للعقل الخوض في بعض الشؤون الدينية، فبالأحرى في مجالات أخرى، يقول الله سبحانه وتعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون)·

 ورفض القرآن التبعية الفكرية، واقتفاء ما يفعله الآخرون وما يقولونه دون استخدام للعقل فذلك يُعتبر انسياقاً وراء أوهام التبعية الضارة، وجموداً لا طائل منه·

 يقول عز من قائل: (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) البقرة:170·

 إن أخطر ما أصاب العقل الإسلامي هو انتهاج المسلمين للفكر التبريري زمن التخلف والجمود، وهو فكر يمدح كل ما سلف، ويمجد العطاءات الماضية من كل نقص، لكن القرآن الكريم جاء حاثاً العقل المسلم على التبصر وإعمال الفكر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: >لا يكن أحدكم إمعة يقول أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت، وإن أساؤوا أسأت<، بمعنى أن على المرء أن لا يكون تابعاً للناس على رأيهم كيفما كان هذا الرأي، بل عليه استخدام عقله ونهج الاستدلال لتكوين رأي مستقل وخاص به، قائم على أسس متينة ومبنية على مبادئ الدين الإسلامي الحنيف·

 لقد أعطى الإسلام لكل فرد الحق في أن يبدي رأيه كما يشاء، وإن الرأي ما هو إلا ثمرة ينتجها الفكر السليم، والاتجاه المستقيم إلى طلب الحقائق وإعلانها· والإسلام يقرر أن حقائق الكون وطبائع الأشياء تجب دراستها، وإعلان ما ينتهي إليه العقل والفكر الحر غير المقيد بتقاليد سابقة، لأن الإسلام نهى عن التقليد، وأمر المؤمن أن يفكر فيما تحت يده في الأرض وما فوقه من أفلاك ليتعرف كنهها، لأنها سخرت له وذللت لإرادته، يقول المولى تبارك وتعالى: (ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه) الحج:65·

 لقد أعلى الإسلام من أهمية العقل في إدراك المسائل، حتى أن علماء الإسلام قالوا: >إن معرفة الله تعالى واجبة بالعقل<، وقالوا: إن الأساس في فهم المعجزات والأدلة الشرعية هو العقل، وأوجب الإسلام على المؤمن أن يفكر طالباً الهداية من الله تعالى، وأن يتبع ما تهديه إليه الدراسة وافق على ذلك من حوله أم خالفوه، قال تعالى: (وإن تُطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون)· إن الأساس في الأحكام التكليفية الشرعية هو العقل وفهم العقل، والإجماع على فهم العقل يجعله حجة قطعية لا سبيل لإنكارها، أما الأمور الكونية فالأساس فيها النظر الفاحص والدراسات العقلية، وقد ينتهي الباحث إلى أمور قطعية وما عند الناس مجرد احتمالات وظنون، وأما بعض الباحثين في الكون وانحرافهم عن الدين فليس منشأ ذلك الدراسة العقلية المستقيمة، وإنما منشأه انحراف الفكر ابتداء، فهو قد درس بقلب غير سليم، وإعلانه ما هو ضد الدين ليس فيه إضافة علم بالأكوان مستمر جديد، إنما يكون فيه عقم في الإدراك، إن الدراسات الإسلامية التي اهتمت بالقرآن أثبتت أن نحو ثلث القرآن يدعو إلى النظر في الكون والمخلوقات، (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق) العنكبوت:20، و(أوَلم ينظروا في ملكوت السموات والأرض) الأعراف:185، وغيرها آيات كثيرات· إنها دعوة واضحة إلى استعمال العقل وإعمال النظر في المخلوقات الكونية، بل حتى في مقاصد التشريع الإسلامي، دعا القرآن العقل بأن يمعن النظر في الحكمة من وراء الصوم مثلاً: (وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون)، أو عن الصلاة: (فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) الجمعة:9·

 5 ـ وردت في السنة الكريمة أحاديث كثيرة ترفع من شأن العقل، وتدعو إلى استخدامه لأنه كنز معنوي عظيم لا يمكن إلا أن يعود بالنفع العميم على صاحبه خاصة إذا ما تم استعماله بشكل صحيح وسوي· هناك حديث أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: >يأيها الناس اعقلوا عن ربكم وتواصوا بالعقل تعرفوا ما أمرتم به<·

 وقال أيضاً: >أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أكرم عليَّ منك<· فانظر أيها القارئ الكريم مدى أهمية المكانة للعقل عند خالقه سبحانه وتعالى، وجاء في حديث أخرجه الطبراني في الأوسط، عن أبي قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: >أتمكم عقلاً أشدكم لله تعالى خوفاً<، وهنا رابط قلَّما انتبه إليه الباحثون والدارسون في موضوع العقل الإسلامي، ألا وهو العلاقة الوطيدة بين تمام العقل والخوف من الله، إذ إنه على حسب درجة الخشية من الله، تكون درجة كمال العقل، فالمسلم الأرعن الذي لا يخشى الله ولا يرقبه في تصرفاته لا يملك في حقيقته إلا عقلاً ناقصاً غير ناضج لا يمكِّنه من فهم نفسه ولا من إدراك ما حوله في الكون الفسيح، أما المسلم الذي يتقي ربه ويخشاه يكون مسلماً قوياً يخشاه الناس لرجاحة عقله وفصاحة فكره·

 أما الصحابة رضوان الله عنهم، فلقد أدركوا أهمية العقل، لذا استعملوه وأعملوا النظر في القضايا التي لم يرد فيها حكم شرعي بنص قطعي صريح، مما أدى إلى رفع راية العقل عالياً، ومنحه المكانة اللائقة به، فكان أبرز من استعمل العقل في مجال الأحكام الشرعية هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي عُرف بعدله وبتفانيه العظيم في تطبيق شرع الله في أرضه، وهناك أمثلة على استخدام الفاروق للعقل منها: منعه إعطاء الزكاة للمؤلفة قلوبهم بعد أن صار الإسلام قوياً عزيزاً، وحكمه بعدم التشريك بين الإخوة الأشقاء والإخوة للأم في الميراث في المسألة الحجرية حتى مرت الأيام والشهور، ورفعت إليه هذه القضية من جديد فأعمل فيها عمر رضي الله عقله وتبين له رأياً أفضل وحكماً أعدل، لذلك قضى فيها بالتشريك، ولما سُئِل: كنت يا أمير المؤمنين قضيت فيها عام كذا بعدم التشريك، قال عمر: >تلك على ما قضينا يومئذ، وهي على ما قضينا اليوم<، هذا هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه الذي قال يوماً لأبي موسى الأشعري: >مراجعة الحق خيرٌ من التمادي في الباطل<، أليس هذا أرقى أنواع استخدام العقل الإسلامي بُغْية تحقيق أهداف نبيلة كإحقاق الحق أو نشر العدل والطمأنينة والرقي والازدهار·

 6 ـ انفتاح العقل المسلم

 لم يعد زماننا يسمح للخوض في النظريات الفلسفية الدسمة التي تؤرق العقل الإسلامي منذ أمد بعيد، مثل البحث في عالم ما وراء المادة الأزلي، ومناقشة الذات والصفات الإلهية والغوص في هذا البحر اللجي، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: >تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في ذاته فتهلكوا<· إن التفكر في ذات الله يؤدي حتماً إلى الهلاك، هلاك العقل والقلب، وفرار الإيمان من الصدر إلى غياهب الهرطقات الكلامية والفلسفية، ليتيه العقل ويفكر بوصلته إلى حين رجوع الصواب إلى مكانه·

 ويحق لنا التساؤل لماذا نضيع نحن المسلمين كثيراً من الجهد والطاقة في مسائل خلافية تثير الشقاق أكثر مما تدعو إلى الاتحاد·

 إن الاعتقاد الصحيح لا يمكن بلوغه بسهولة ويسر اعتماداً فقط على مدارك الإنسان العقلية وإنما يلزم هذا الإنسان أن يكون مسلحاً بهداية الدين القوي· فالعقل مهما بلغ سموه ونضجه الفكري، ومهما انفتحت له أبواب الهداية، لابد أن يُسلِّم ويذعن للوحي خاصة فيما لا يستطيع إدراكه من قضايا غيبية كعذاب القبر، والحياة في البرزخ وما بعده، وغير ذلك من الغيبيات التي يصير معها عقل الإنسان قاصراً عن استيعاب حقيقتها وإدراك مراميها·

 إن العقل المسلم صار مجبراً اليوم أكثر من أي وقت مضى، خصوصاً في ظل هذه التحولات الدولية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، على الانفتاح على عقول الآخرين· فالقرآن الذي هو دستور المسلمين كافة أقر في أكثر من آية على حق الاختلاف وتعدد الآراء، يقول عز وجل في سورة هود الآية 118: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم)، إذاً، الله سبحانه وتعالى خلقنا لنختلف، وتتعدد رؤانا وأفكارنا لأن في ذلك غنى عقلياً وثراء فكري لنا جميعاً، ألم يقض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائد الأمة الإسلامية والحاكم الذي كان خُلقه القرآن، ألم يقض غير ما مرة بما أشار عليه أصحابه الكرام في بعض المسائل والقضايا رغم عدم اتفاقه معهم؟··· أليس هذا اختلافاً في الآراء أقره الرسول الكريم؟ إن الاختلاف وتعدد الآراء والرؤى أمر موجود في مجتمع المؤمنين، وليس هنا أدنى غضاضة في اختلاف المؤمنين فيما بينهم شرط أن يكون هذا الاختلاف صحياً وبشارة خير ونفع على الأمة· لقد كان الاختلاف في المجتمع الإسلامي أيام عزه وقوته في قضايا دينية، فكيف بما يخص أمور الدنيا وشؤون الحياة، ويمكن علاج هذا الاختلاف ليكون مؤشر عافية باحترام عقل الآخر والانفتاح عليه: (وجادلهم بالتي هي أحسن) النحل:125·

 وحتى بالنسبة للعقل الديني الغربي المتعصب، يمكن لعقلنا الإسلامي أن يعمل على تنقيته مما ترسب لديه من أفكار خاطئة وأحكام مسبقة مغلوطة عن الإسلام وشعوبه وحضارته وتعاليمه السامية، ويمكنه تصحيح مفاهيم رجال الفكر هناك في الغرب العلماني ليتحرر من عقدة تفوق العقل الغربي، حينئذ ستتضح لهم حقيقة العقل الإسلامي ومعالم حضارته، لكن الهدف المنشود يستلزم منا جميعاً مواطنين وعمالاً وعلماء ومفكرين وكتاباً وصحافيين وقادة، كنا حكاماً أو محكومين أن نعمل بإخلاص على إعلاء لواء العقل الإسلامي، ومنحه المكانة المرموقة التي ينبغي أن يحتلها في نقاشاتنا وأفكارنا وقراراتنا وتصرفاتنا إزاء الآخرين، وهذه لعمري مهمة صعبة ولكنها ليست مستحيلة أبداً·

 المراجع

 1 ـ كتاب >النظرية الإسلامية للعقل< للأستاذ عبدالحي عمور أحد علماء المغرب·

 2 ـ سلسلة دعوة الحق، العدد 96 للكاتب محمد رجاء عبدالمتجلي·

 3 ـ كتاب >الإسلام يتحدى< للكاتب الهندي وحيد الدين خان·



بقلم الكاتب:   حسن الأشرف ـ باحث في الدراسات الإسلامية ـ الرباط ـ المغرب

عدد القرآء: 7999


الصفحة الرئيسية

الافتتاحية

أنشطة

مناسبات

حوار

رثاء

ملف العدد

دعوة

تراثنا

إصبعي السادسة

لغة وأدب

أنباء الكتب

فنون

رؤية

قيم

فكر

قراءة

ظاهرة

أسرتي

بريد القراء

منسيون

أعلام

منارات

ترجمات

جديد المعرفة

فتاوى الوعي

ينابيع المعرفة

مسك الختام

براعم الإيمان

      


 

مجلة الوعي الإسلامي - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - دولة الكويت

       <