2010-09-03

 532

 

 


بين الإمامين الشافعي ومحمد بن الحسن الشيباني «رحمهما الله تعالى» حول (الدعاء الدُّنيويّ في الصلاة) و (الرّدّ على أهل المدينة)

حديثُنا اليوم عن عَلَمين من أعلام الأمّة ورجالاتها الفقهاء العظام.
أمّا أحدُهما فهو الإمام محمّد بن إدريس الشّافعيّ (150-204هـ)، مِن معادن الفقه، ونُقّاد المعاني، وجهابذة الألفاظ، وهو فقيه الأمّة ونَسِيب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وابنُ عمّه، ولد بغزّة، ومات أبوه شابًّا، فنشأ الإمام يتيمًا في حجْر أمّه، فخافت عليه الضّيْعة، فتحوّلت به إلى مكّة فنشأ بها، وأقبل على العربيّة والشّعر، فبرع في ذلك وتقدّم، ثم حُبّب إليه الفقه، فساد أهلَ زمانه، وصنّف التصانيف، ودَوّن العلم، ورَدّ على الأئمّة متّبعًا الأثر، وبَعُد صِيتُه، ونال بعض النّاس منه غَضًّا، فما زاده ذلك إلا رِفْعة وجلالة، وقلّ مَن برز في الإمامة، وردّ على مَن خالفه إلاّ عُودي «كما جاء في سير أعلام النبلاء».

قال يونس بن عبد الأعلى الصّدفيّ رحمه الله: «ما رأيتُ أعقل من الشّافعيّ، ناظرْتُه يومًا في مسألة، ثم افترقنا، ولقِيَني، فأخذ بيدي، ثم قال: ألاَ يستقيم أن نكون إخوانًا وإن لم نتفق في مسألة»، وكان يقول رحمه الله: «ما ناظرتُ أحدًا قطُّ على الغَلَبة، وبِوُدّي أنّ جميع الخلق تعلّموا هذا الكتاب- يعني كُتُبَه- على ألا ينسب إليّ منه شيءٌ».
ومن كلماته الرّشيقة المشهورة: «ليس إلى السّلامة من النّاس سبيلٌ، فانظر الذي فيه صلاحك فالزمه»، «ما رفعتُ مِن أحد فوق منزلته إلاّ وضع منّي بمقدار ما رفعت منه».
ولقد قال المعلميُّ «رحمه الله» في «التنكيل بما في تأنيب الكوثريّ من الأباطيل: 2/133-134»: «مِن مكارم أخلاق الشّافعيّ، وكمال عقْله، وصدْق إخلاصه، أنّ غالب ما يسوقُه مِن المناظرات لا يُسمِّي مَن المناظر، لأنّ مقصوده إنّما هو تقرير الحقّ، ودفْع الشّبهات، وتعليم طُرُق النظر، وتسمية المناظِر يُتَوهّم فيها حظّ النفس؛ كأنّه يقول: ناظرْتُ فلانًا المشهور فقطعْتُه، وفيها غضٌّ مِن المناظِر بِما يبيِّنُ من أخْطائه،... ومِن براعة الشّافعيّ الفائقةِ ومهارتهِ الخارقة، أنّه يجمع في مناظراته بين لطْف الأدب، وحسْن العشرة، واستيفاء الحقّ حتى في التّشنيع»!
وأما ثانيهما فهو: محمد بن الحسن الشيبانِيّ، العلاّمة، فقيه العراق، صاحب الإمام أبي حنيفة (132-189هـ)، أخذ عنه الشّافعيُّ «كما في سير النبلاء» فأكْثَرَ جدًّا، وقال: كتبتُ عنه وِقْر بُخْتِيٍّ، وما ناظرْتُ سمينًا أذكى منه، ولو أشاء أنْ أقول: نزل القرآن بلغة محمد بن الحسن لقُلْتُ، لفصاحته.
قيل: إنّه لـمّا احتضر، قيل له: أتبكي مع العلم؟ قال: أرأيت إنْ أوْقفني الله، وقال: يا محمّد، ما أقدَمَك الرّيّ؟ الجهاد في سبيلي، أم ابتغاء مرضاتي؟ ماذا أقول؟
وفي «تعجيل المنفعة للحافظ ابن حجر: 2/175»: قال محمد بن عبدالله بن عبد الحكم: سمعت الشافعيّ يقول: قال لي محمد بن الحسن: «أقمْتُ على مالكٍ ثلاث سنين، وسمعتُ من لفظه سبعمائة حديث»، وكان مالكٌ لا يحدّث من لفظه إلاّ قليلًا؛ فلولا طول إقامة محمّد عنده وتمكُّنُه منه ما حصل له عنه هذا».
وفي «تاريخ بغداد: 2/176»: من رواية الرّبيع بن سليمان المراديّ قال: «وقف رجلٌ على الشافعيّ، فسأله عن مسألة، فأجابه؛ فقال له الرّجل: يا أبا عبدالله، خالفك الفقهاء! فقال له الشافعيّ: «وهل رأيتَ فقيهًا قطّ؟ اللهم إلا أن تكون رأيت محمد بن الحسن. فإنه كان يملأ العين والقلب».
وفيه «2/176» من طريق حرملة بن يحيى قال: «نبأنا محمد بن إدريس الشافعي قال: كان محمد بن الحسن الشيبانيّ إذا أخذ في المسألة، كأنّه قرآنٌ يُنْـزَل عليه، لا يُقدِّمُ حرفًا ولا يُؤَخِّر».
وفي «توالي التأسيس: ص/71 نقلًا عن التنكيل» من طريق أبي حسان الحسن بن عثمان الزّياديّ قال: «كنت في دهليز محمد بن الحسن فخرج محمد راكبًا، فنظر فرأى الشّافعيّ قد جاء، فثنى رجله ونزلَ، وقال لغلامه: اذهب فاعتذر، فقال له الشافعيّ: لنا وقتٌ غير هذا. قال: لا. وأخذ بيده فدخلا الدار. قال أبوحسان: وما رأيت محمّدًا يعظّم أحدًا إعظام الشّافعيّ».
ولذلك قال المعلّميّ في «التنكيل: 2/134»: «ومن تدبّر مناظرات الشّافعيّ لمحمد، وجدها مناظرة الأكفاء، وعلم منها أنّ الشّافعيّ كان حينئذ مجتهدًا كاملًا، وأنّ محمدًا كان- مع مكانته من الفقه والسّنن والمنْـزِلة من الدّولة وكثرة الأتباع- على غايةٍ من الإنصاف في البحث والنظر. والإنصاف أنّه كان لتلك المناظرات أثرٌ في الرّجلين، فاتفقا على مسائلَ، رجع فيها الشّافعيُّ عمّا كان يتابع فيه مالكًا، أو رَجَع محمّد عمّا كان يتابع فيه أبا حنيفة».
قال ابن حجر عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني: كما في «رواة الآثار: ص/163»: «كان من أفراد الدّهْر في الذّكاء، وعظُمت منزلتُه عند الرّشيد جدًّا، ولـمّا مات وهو معه، وكذلك الكسائيّ بالرّيّ قال: دفنْتُ الفقه والعربيّة بالرّيّ».

الدّعاء الدّنيويّ في الصّلاة

وقد حدثتْ بين الإمامين محاوراتٌ ومناقشاتٌ بحكم الصّلة العلميّة القويّة التي كانت تربِطُهُما، ومِن ذلك ما جاء في «طبقات الشافعية الكبرى» (2/70) قال محمد بن عبدالله بن عبدالحكم: حدثنا الشّافعيّ قال: ذكرتُ لمحمّد بن الحسن الدّعاءَ في الصّلاة؛ فقال لي: لا يجوز أن يُدعَى في الصّلاة إلاّ بما في القرآن وما أشبهه، قلت له: فإنْ قال رجلٌ: اللهم أطعمْني قثّاء وبصلًا وعدسًا، أو ارزقني ذلك، أو أخرجه لي مِن أرضٍ؛ أيجوز ذلك؟ قال: لا، قلت: فهذا في القرآن، فإن كنتَ إنّما تُجيز ما في القرآن خاصّة فهذا فيه، وإن كنتَ تجيز غير ذلك، فلم حظرْتَ شيئًا وأبحتَ شيئًا؟ قال: فما تقول أنتَ؟ قلت: كلّ ما جاز للمرء أن يدعو الله به في غير صلاةٍ، فجائزٌ أن يدعو به في الصّلاة، بل أستحبّ ذلك؛ لأنّه موضعٌ يرجَى سرعةُ الإجابة فيه، والصّلاةُ: القراءة والدّعاء، والنهيُ عن الكلام في الصّلاة هو كلام الآدميّين بعضِهم لبعض في غير أمر بصلاة.

الردّ على أهل المدينة

ومن ذلك ما جاء في «طبقات الشافعية الكبرى» أيضًا (2/79) قال أبوثور: سمعت الشّافعيّ يقول: حضرتُ مجلسًا، وفيه محمد بن الحسن يقول: قد وضعت كتابًا لو علمتُ أنّ أحدًا يردّ عليَّ منه شيئًا تُبَلِّغُنِيه الإبلُ لأتيْتُه؛ قال: فقلت له: قد نظرتُ في كتابك هذا؛ فإذا ما بعد البسملة خطأٌ كلّه! قال: وما ذاك؟ قلت له: قال أهل المدينة كذا؛ فإن أردت كلّهم فخطأٌ؛ لأنهم لم يتّفقوا على ما قلتَ، وإن أردت مالكًا وحده فأظهَرُ في الخطأ؛ إذ ليس هو كلُّ أهل المدينة، وقد كان من علماء المدينة في زمنه من يشتدّ نكيرُه عليه، فأي الأمرين قصدتَ فقد أخطأتَ!
وقد نقل بعض أصحاب الشّافعي عن محمد بن الحسن أنّه كان يقول: إنْ تابعكم الشّافعيّ فما عليكم مِن حجازيّ كُلْفة بعده! قال الشافعيّ: فجئت يومًا فجلستُ إليه؛ فلمّا أنْ جلستُ إليه أقبل يطعن على أهل دار الهجرة، فقلت: على من تطعن، على البلد أم على أهله؟! والله لئن طعنت على أهله إنّما تطعن على أبي بكر وعمر والمهاجرين والأنصار، وإن طعنتَ على البلدة فإنّها بلدتهم التي دعا لهم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنْ يبارَك لهم في صاعهم ومُدّهم، وحرّمه كما حرّم إبراهيم مكّة، لا يُقْتلُ صيْدُها، فعلى أيِّهم تطعن؟ فقال: معاذ الله أن أطعن على أحد منهم أو على بلدته، وإنما أطعن على حُكْمٍ مِن أحكامه.
فقلت له: وما هو؟ قال: اليمين مع الشّاهد. قلت له: ولم طعنت؟ قال: فإنه مخالفٌ لكتاب الله.
فقلت له: فكلّ خبر يأتيك مخالفًا لكتاب الله أَيَسْقُطُ؟ قال: كذا يجب.
فقلت له: ما تقول في الوصيّة للوالدين؟ فتفكّر ساعة وقال: لا تجب.
فقلت له: فهذا مخالفٌ لكتاب الله، لم قلتَ: إنه لا يجوز؟ فقال: لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: «لا وصية للوالدين».
فقلت له: أخبرني عن شاهدين، حتْمٌ من الله؟ قال: فما تريد مِن ذا؟ فقلت له: لئن زعمْتَ أنّ الشاهدين حتمٌ من الله لا غيره كان ينبغي لك أن تقول: إذا زنى زانٍ فشهد عليه شاهدان إن كان محصَنًا رجمْتُه، وإن كان غير محصن جلدتُه.
قال: فإن قلت لك: ليس هو حتمًا من الله؟ قلت له: إذا لم يكن حتمًا من الله فنُنْـزل كلّ الأحكام مَنَازله في الزّنا أربعًا، وفي غيره شاهدين، وفي غيره رجلًا وامرأتين، وإنما أعني في القتل لا يجوز إلاّ شاهدان، فلمّا رأيتُ قتلا وقتلا، أعني بشهادة الزّنا، وأعني بشهادة القتل، فكان هذا قتلًا، وهذا قتلًا، غير أنّ أحكامَهما مختلفةٌ، فكذلك كلّ حكم ننـزله حيث أنزله الله، منها بأربعٍ، ومنها بشاهدين، ومنها برجل وامرأتين، ومنها شاهد واليمين، فرأيتك تحكم بدون هذا، قال: وما أحكم بدون هذا؟
فقلت له: ما تقول في الرجل والمرأة إذا اختلفا في متاع البيت؟
فقال: أصحابي يقولون فيه: ما كان للرّجال فهو للرّجال، وما كان للنّساء فهو للنّساء. فقلت: أبكتاب الله هذا أم بسنّة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟
وقلت له: فما تقول في الرّجلين إذا اختلفا في الحائط؟ فقال: في قول أصحابنا: إذا لم يكن لهم بيّنةٌ ينظر إلى العقد مِن أين هو البناءُ فأَحْكُمُ لصاحبه. فقلت له: أبكتاب الله قلتَ هذا أم بسنّة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قلتَ هذا؟
وقلت له: ما تقول في رجلين بينهما خُصٌّ فيختلفان لمن يُحْكَم إذا لم يكن لهما بيّنةٌ؟ قال: أَنْظُر إلى مَعَاقِدِه مِن أيّ وجه هو فأحكمُ له. قلت له: بكتاب الله قلتَ هذا أم بسنّة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟
وقلت له: فما تقول في ولادة المرأة إذا لم يكن يحضرها إلاّ امرأةٌ واحدةٌ وهي القابلة وحْدَها ولم يكن غيرُها؟ فقال: الشّهادة جائزةٌ بشهادة القابلة وحدها نقْبَلها، فقلت له: قلتَ هذا بكتاب الله أم بسنّة رسول الله (صلى الله عليه وسلم)؟
قلت له: مَن كانت هذه أحكامَه، فلا يطعن على غيره، ثم قلت له: أتعجب من حُكْمٍ حَكم به رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وحكم به أبوبكر وعمر وعليّ، وقضى به شريحٌ!؟
رحمة الله ورضوانه على الإمامين



بقلم الكاتب:  د.الطاهر خذيري

عدد القرآء: 1820


الصفحة الرئيسية

الافتتاحية

أنشطة

مناسبات

حوار

رثاء

ملف العدد

دعوة

تراثنا

إصبعي السادسة

لغة وأدب

أنباء الكتب

فنون

رؤية

قيم

فكر

قراءة

ظاهرة

أسرتي

بريد القراء

منسيون

أعلام

منارات

ترجمات

جديد المعرفة

فتاوى الوعي

ينابيع المعرفة

مسك الختام

براعم الإيمان

      


 

مجلة الوعي الإسلامي - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - دولة الكويت

       <