2010-09-03

 532

 

 


الخلاف حول نقل الأعضاء وزراعتها والتبرع بها لا يزال قائمًا

أجاز المشاركون في المؤتمر الثالث عشر لمجمع البحوث الإسلامية الذي عقد بالقاهرة تحت عنوان «نقل وزراعة الأعضاء» التبرع ونقل الأعضاء وزراعتها في جسد إنسان آخر بضوابط معينة، وذلك في حال نقل عضو لا تتوقف عليه الحياة كالقلب من إنسان إلى آخر للضرورة أو للحاجة العلاجية التي تنزل منزلة الضرورة أحيانا، لأن «الضرورات تبيح المحظورات»، و«الحاجة تنزل منزلة الضرورة»، ولأن أخلاق الإيثار والتضحية والتعاون على الخير من جملة أخلاق الإسلام ومبادئه العامة التي جاء بها للبشرية، ولأن مصلحة الحي مقدمة على مصلحة الميت.. وعلى الرغم من حسم مجمع البحوث الإسلامية التابع للأزهر الشريف الجدل حول قضية «موت جذع المخ»، حيث أعلن المشاركون في فعاليات المؤتمر اعترافهم صراحة باعتبار «موت جذع المخ» أو ما يسمى بـ«الموت الإكلينيكي» موتا حقيقيا يجوز بعده انتزاع أعضاء الشخص الميت ونقلها لإنسان آخر مريض، فإن الجدل لم ينته حتى الآن بين الفقهاء أنفسهم، ولا حتى بين الأطباء- الذين يحاربون من عشر سنوات من أجل إصدار قانون يبيح نقل وزارعة الأعضاء من شخص فارق الحياة إلى شخص حي- حول شرعية ذلك، وحول الوقت المناسب لانتزاع أعضاء الشخص الميت لنقلها لآخر، بل إن الخلاف بين الفقهاء وصل إلى حد رفض نقل الأعضاء أساسا من شخص لآخر.

يقول د.محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر الشريف، الذي أوصى بالتبرع بكل أعضاء جسده بعد وفاته لما ينفع الناس ليذهب المرض والألم عن أي مسلم، وذلك وفق ما يراه الأطباء صالحا لغيره من المسلمين: إن عملية نقل الأعضاء من الميت للحي جائزة بشرط تحقق موته، وتمسَّك بتعريف الميت بأنه من فارق الحياة تماما، على أن يحكم بذلك الأطباء، وقال: لن نرجح موت جذع المخ إلى أن يتفق الأطباء على ذلك، ونحن عندما نتدبر آيات القرآن الكريم، وأحاديث النبي (صلى الله عليه وسلم) نراها قد كرمت ذات الإنسان التي تشمل روحه وجسده تكريما عظيما، واعتبرت جسده أمانة ائتمنه الله عليها، فلا يجوز لأحد أن يتصرف فيه بما يضره أو يرديه حتى ولو كان هذا التصرف صادرا من صاحب هذا الجسم نفسه، وقد اتفق المحققون من الفقهاء على أنه لا يجوز للإنسان أن يبيع عضوا من أعضاء جسده، أيا كان هذا العضو، وذلك لأسباب متعددة أهمها:
أولا: إن جسد الإنسان وما يتكون منه من أعضاء ليس محلا للبيع والشراء، وليس سلعة من السلع التي يصح فيها التبادل التجاري.
ثانيا: إن الإنسان أمين على هذا الجسد، ومأمور بأن يتصرف في هذه الأمانة بما يصلحها لا بما يفسدها، فإذا تجاوز هذه الحدود وتصرف في جسده بما يتعارض مع إصلاحه كان خائنا للأمانة التي ائتمنه الله عليها، وكان تصرفه محرما وباطلا.
ثالثا: لا يقال إن من القواعد الشرعية قاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، وبناء على ذلك يجوز للإنسان أن يتصرف في جسده عند الضرورة، لأننا نقول في الرد على هذا: إن التصرف عند الضرورة إنما يكون في حدود ما أحله الله، وفضلا عن ذلك فإن هذه القاعدة مقيدة بقواعد أخرى تضبطها، ومن هذه القواعد «الضرر لا يُزال بالضرر».

الحكم بالموت على المحتضر

وفيما يتعلق بموت جذع المخ، والذي بناء علي حدوثه يقرر الأطباء التدخل لانتزاع الأعضاء من الميت، يبين د.محمد رأفت عثمان- العميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون وعضو مجمع البحوث الإسلامية - أن موت «جذع المخ» اصطلاح مستجد، وكان الدافع إليه تفكير بعض العلماء في إمكان إجراء عمليات نقل الأعضاء مثل الكبد والقلب، ويقول: لما كان من الضروري لكي تنجح هذه العمليات أن يتم نقل العضو المراد زرعه من جسم شخص آخر لا يزال محتفظا بقلب ينبض ودورة دموية مازالت تعمل بكفاءة، فقد وجد هؤلاء ضالتهم في الأشخاص الذين حدثت لهم الإصابات المخية التي تؤدي إلى تدهور حالة الوعي لفترات متفاوتة، مع أن القلب لا يزال حيا، والدورة الدموية ما زالت تعمل بكفاءة، وبه من مظاهر الحياة الأخرى الكثير، وقالوا: إن من حدثت له هذه الحالة فهو في غيبوبة لا رجوع فيها، أو في حالة ميئوس منها.
ويري د.رأفت أنه لا يجوز أخذ عضو من أعضاء الشخص الذي حدثت له حالة «موت جذع المخ» لأمور متعددة منها، أولا: أن الموت الحقيقي الذي تبنى عليه الأحكام الشرعية لا يتحقق إلا بمفارقة الروح للجسد، وبهذه المفارقة تتوقف جميع أجهزة الجسد وتنتهي كل مظاهر الحياة، ولا يعتبر الإنسان ميتا إذا كانت الحياة قد توقفت فقط في بعض أجزائه.
ثانيا: أنه لا يزال من الأطباء بل من الدول من لا يعترف بأن الشخص الذي حدثت له حالة «موت جذع المخ» أصبح يعامل باعتباره ميتا، فمع أن القوانين في معظم الدول في عالمنا الآن تعتبر أن الشخص الذي مات «جذع المخ» عنده أصبح ميتا حتى لو كان قلبه مازال ينبض، فإنه لا تزال كثير من الدول لا تعده كذلك.
ثالثا: لو جاز انتزاع أعضاء من الشخص الذي مات فيه «جذع المخ»، لأنه سيموت على وجه التأكيد لجاز ذلك أيضا في حالة كل شخص ميئوس من شفائه ويتوقع الأطباء وفاته بين لحظة وأخرى، وهذا ما سمعنا أحدا ولا قرأنا لأحد قال به، ولا يجوز أن يقال هذا الكلام.
رابعا: أن حالة الشك تمنعنا من انتزاع أي عضو من أعضاء شخص لا يزال الشك موجودا في موته وحياته بعد موت «جذع المخ»، لأنه معرض لضرر من أبلغ الضرر إن لم يكن أبلغه وهو الموت بعد أخذ عضو من أعضائه مع احتمال أن حياته مازالت باقية، ومن المعلوم أن الضرر لا يجوز في الشريعة ولا في القوانين الوضعية.
خامسا: مع تسليمنا بما توصل إليه العلم الآن بموت «جذع المخ» وأن موت «جذع المخ» يؤدي إلى وفاة صاحبه، فإننا نقول أن هذا الشخص لم يمت الآن وإنما هو في سبيله إلى الموت، وهى حالة الاحتضار، ولا يجوز أن نحكم بالموت على المحتضر.

مصر الدولة الوحيدة

وعلى الجانب المؤيد لنقل الأعضاء والساعي لاستصدار قانون يجيز ذلك، يوضح د.حمدي السيد، نقيب الأطباء المصريين، أن مصر هي الدولة الإسلامية الوحيدة التي تَعَّطل فيها تشريعٌ يسمح بنقل الأعضاء من الأموات إلى الأحياء حتى الآن، وأن هناك معاناة شديدة لعدد كبير من المرضى، خاصة لمرضى الكبد في مصر، ويقول: إن وجود مثل هذا التشريع سيحل مشكلة البيع التي تتم في غفلة ودون رقابة، والفيصل في قضية الوفاة يكون من خلال القيام بإجراء ما يسمى باختبار التنفس، أما استمرار النبض فهذا يحدث في تجارب كثيرة بعد موت جذع المخ ووضع الجسد على جهاز التنفس.
ويقول: إن هناك فتاوى كثيرة بشأن نقل الأعضاء والتبرع بها للمرضى، لكننا لسنا في حاجة إلى فتوى، بل لقانون يجيز نقل الأعضاء، وحقيقة إن القرار الصادر من مجمع البحوث الإسلامية بشأن اعتبار موت الدماغ، المعروف بالموت الإكلينيكي، موتا حقيقيا، وبالتالي أجاز المجمع شرعا نقل الأعضاء البشرية، يعتبر قرارا تاريخيا، أزال أكبر عقبة تجاه إقرار قانون نقل الأعضاء الذي تسعى نقابة الأطباء منذ سنوات للاعتراف به، وهو خطوة كبيرة، وانتصار طبي كان ينتظره غالبية أطباء مصر، حيث إن موت جذع المخ هو موت كامل، لأن الإنسان لا يرجع بعده إلى الحياة مرة أخرى، وفي هذه الحالة يمكن نقل الأعضاء من هذا الشخص إلى آخر حي يحتاج إليها لإنقاذ حياته.
ويشير د.حمدي إلى أن أصحاب الرأي المخالف لذلك هم قلة، والعبرة إنما تكون برأي الأغلبية.
ويقول: في كل النظم العالمية توجد قوانين وضوابط لعملية نقل الأعضاء التي لا تتم بشكل عشوائي، بل بعد التأكد تماما من أن المخ توقف عن العمل، وأن الشخص الذي سيأخذ منه العضو قد فارق الحياة تماما، والقانون في هذه البلدان يشترط وجود لجنة طبية من المتخصصين الذين يقررون عملية النقل، أما نحن في مصر، كلما تقدمنا خطوة في قانون نقل الأعضاء نرجع خطوات للخلف، ويجب أن ندرك أنه إذا كان الأزهر أباح نقل الأعضاء فهناك الكثير من الفرق الدينية ترفض ذلك وتعتبره حراما.

مصلحة الحي والميت

ويوضح أستاذ الشريعة والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت ورئيس اللجنة الاستشارية العليا للعمل على تطبيق الشريعة الإسلامية د.خالد المذكور أن عملية استقطاع الأعضاء ونقلها من إنسان إلى آخر تستدعي الإجابة عن ثلاثة أسئلة، أولا: هل الإنسان يملك نفسه، أم أن نفسه ملك لله فقط؟ وعلى كلا التقديرين، هل يجوز له التصرف في نفسه فيسمح بنقل عضو منها إلى جسم آخر إذا كان ذلك لمصلحة غيره دون ضرر على المتبرع؟ ثانيا: إذا قيل يجوز إيثار الإنسان لأخيه المسلم بما تتوقف عليه حياته مثل القليل من الماء ونحو ذلك، فهل يقاس عليه جواز نقل ما تتوقف عليه حياة المريض من بدن إنسان آخر إليه مثل الكلية ونحوها بدون ضرر محقق يلحق المتبرع؟ ثالثا: إذا قيل إن إذْن الإنسان بأخذ جزء من جسده لمصلحة جسده جائز شرعا، فهل يقاس على ذلك إذنه بأخذ جزء من جسده لمصلحة أخيه المسلم بدون ضرر يلحق المتبرع؟ وإجابة السؤال الأول نتبينها بما ثبت في نصوص القرآن والسنة بما هو صريح في أن الله تعالى خالق كل شيء وربه ومليكه، لا مالك سواه، يتصرف فيه كيف يشاء ويحكم فيه بما يريد، يقول تعالى {الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل. له مقاليد السموات والأرض} (الزمر: 62-63) ويقول تعالى {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} (آل عمران: 26) وغير ذلك من الآيات الكثيرة.
ويضيف د.المذكور: ويعتبر احترام الإنسان والمحافظة على نفسه وأعضائه وعدم الإضرار بها أصلا لا يجوز العدول عنه إلا بدليل شرعي يقتضي الاستثناء منه والخروج عنه، ولم يرد نص شرعي من قول أو فعل أو تقرير يبيح نقل عضو من إنسان إلى غيره، أو يعطي الحق لإنسان بنقل ذلك منه إلى غيره في حال اختيار أو اضطرار، وغاية ما يرجع إليه في معرفة حكم نقل الأعضاء مقاصد الشريعة العامة وقواعدها الكلية والقياس على النظائر، والقاعدة الكلية الشرعية في نقل الأعضاء من إنسان إلى آخر تقول «إذا تعارضت مصلحتان قدمت أقواهما تحقيقا لزيادة المنفعة، وإذا تعارضت مفسدتان ارتكبت أخفهما تفاديا لأشدهما».
وتطبيقا لهذه القاعدة فإن مصلحة كل من الحي السليم والميت قد تعارضت مع مصلحة إنقاذ من أصيب في عضو من أعضائه، وقد حث الشرع على تخليص النفوس من الأمراض وعلى التداوي مما أصابها، ولاشك أن في هذا مصلحة للمصاب أولا، وجبر لنقصه ومصلحة للأمة ثانيا، وسيرا مع ما قضت به سنة الله شرعا وقدرا، وإذا تعارضت مصلحتان نظر أيتهما أرجح ليبنى الحكم عليها منعا أو إباحة، ويكفي في ترجيح المصلحة غلبة الظن بما توصل إليه الطب، أما بالنسبة لأخذ عضو من ميت كالعين والكلية لزرعه في جسم حي إبقاء على حياته أو رغبة في نفعه وانتفاع الأمة به فقد يكون واجبا إذا رجي نجاح عملية زرعه في الحي ولم تخش فتنة ولا حدوث خطر من جانب أهل الميت، إيثارا لحق الحي على الميت وإبقاء لحياة شخص أو تحقيقا لمنفعة عضو، وهذه المصلحة أرجح من مصلحة المحافظة على حرمة الميت.

القيود المقصودة

أما الأستاذ بكلية الشريعة ورئيس رابطة علماء الشريعة بدول مجلس التعاون الخليجي د.عجيل النشمي فيرى أنه لابد أن نعرف في البداية أن المقصود بزرع أو غرس الأعضاء نقل عضو سليم أو مجموعة من الأنسجة من متبرع سليم إلى آخر مريض يحتاج إلى هذا العضو حاجة ضرورية ليقوم مقام العضو المريض أو التالف، وأكثر هذه الأنواع شيوعا نقل الدم، ثم نقل الجلد. ويكمل د.النشمي: وانتشر في العالم اليوم نقل الكلى وأنشئت مستشفيات ومراكز في معظم بلدان العالم، كذلك انتشر نقل القرنية، وانتشر بأقل من ذلك نقل الكبد والرئتين والبنكرياس، وكذلك نقل العظام، وهناك موضوع غرس الأعضاء التناسلية والغدد التناسلية، وكذلك غرس الأجنة المجمدة، ولعل آخر مستجدات نقل الأعضاء هو تنمية الأجنة في المختبرات واستخدام أنسجتها للنقل والغرس في مختلف الأمراض، وهذا الموضوع من حيث الأصل لا محظور فيه مادام لا يترتب على المنقول منه ضرر كبير ويستفيد منه الطرف الآخر، ويسـتأنس له بما حدث لقتادة بن النعمان رضي الله عنه الذي فقد عينه في معركة أحد، وفي رواية في معركة بدر، ثم أعادها النبي (صلى الله عليه وسلم) فكانت أحسن عينيه وأحدَّهما بصرا، وما جاء من حديث عرفجة الذي رواه الترمذي وصححه ابن حبان «أنه قطعت أنفه فاتخذ أنفا من فضة، فأنتن عليه، فأمره رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يتخذه من ذهب». والفقه الإسلامي زاخر بالكلام على هذا الموضوع، ومنه قول الإمام النووي في منهاج الطالبين «ولو وصل عظمه بنجس لفَقْد الطاهر فمعذور، وإلا وجب نزعه».
ويضيف د.النشمي: كما اتفق الفقهاء على جواز اتخاذ سن أو أنملة أو أنف من ذهب، إن اقتضت الضرورة أن يكون ذهبا، وعلى خلاف فيما بينهم في جواز اتخاذه من الذهب إن قامت الفضة أو نحوها مقامه، فأجاز الشافعية والمالكية الذهب مطلقا، ومنعه الحنفية عند عدم الضرورة. أما الأطراف، كاليد والرجل، فقد ذهب الحنفية والشافعية، في المعتمد عندهم، إلى عدم جواز اتخاذها من ذهب أو فضة، نظرا إلى أنها لن تكون أعضاء عاملة، بل لمجرد الزينة فلا ضرورة في تركيبها إذن، ولا ضرورة في ارتكاب المحظور. كما اتفقوا على أن وصل الجسد بعظم من حيوان طاهر، للتداوي به، أو للاستعاضة به عن عضو أو عظم فقده صاحبه جائز، وإن وصل بعظم نجس مع وجود الطاهر، أو بدون ضرورة تدعو إلى ذلك، فهو غير جائز، ويجب نزعه عند الجمهور في هذه الحالة، إلا إن خيف من هلاك أو عطب. ويكمل: وقد تضافرت الفتاوى التي أجازت نقل الأعضاء من كبار العلماء المعاصرين ومن المجامع الفقهية، وقد جاء في فتوى لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف الكويتية رقم 32/ 79 بتاريخ 5 صفر 1400هـ - 24/12/ 1979م جواز نقل الأعضاء من المتبرع الحي بشرط ألا يفضي العضو المنقول إلى موت المتبرع كالقلب والرئتين مثلا، أو فيه تعطيل له عن واجب كاليدين أو الرجلين معا، أما نقل إحدى الكليتين أو العينين أو إحدى الأسنان أو بعض الدم فهو جائز بشرط الحصول على إذن المنقول منه.
ومن كل ما سبق يتبين أن قضية نقل الأعضاء قد حسم القول فيها بالجواز بقيود مقصودها حفظ النفوس ورفع الضرر عن المريض وعدم تضرر من ينقل منه العضو ضررا بليغا، وأن الإنسان لا يملك جسده حتى يتبرع منه بما شاء. وتبقى بعض المسائل الخلافية التي لي رأي فيها، من مثل القضايا الآتية، أولا: أخذ العضو من الشخص مجهول الهوية بأن يتوفى في بلد غير بلده أو في بلده ولم يتعرف عليه أحد، فهذا في تقديرنا لا يجوز أخذ عضو منه احتراما لآدميته، فلا تنتهك حرمته لمجرد أنه غير معروف الهوية، ولا يترك أمره لولي الأمر فإنه لا ولاية له على أجساد العباد بل هي ملك لمالكها.
ثانيا: من حكم عليه بالإعدام، نرى عدم جواز أخذ عضو من أعضائه لمجرد صدور حكم عليه، فإهدار دمه لا يعني إهدار كرامته، لعموم قوله تعالى {ولقد كرمنا بني آدم} (الإسراء: 70) فاللفظ عام يشمل المسلم وغير المسلم، الرجل والمرأة والصغير والكبير والعاقل والمجنون، من سلبت إرادته بالحكم عليه بالإعدام أو لم تسلب.
ثالثا: من مات ولم يوص بالتبرع بعضو أو أكثر لا يحق لورثته أن يتبرعوا بأعضائه لأنه تصرف فيما لا يملكون، ولا لولي الأمر.
رابعا: أن من لم يجد من يتبرع له من أهله أو من غير أهله فعليه وجوبا أن يشتري كلية من باذل لها بشرط دفع المال لأن في ذلك إنقاذ نفسه، وحفظ النفس من الضرورات، ومن باع يتحمل تبعة تصرفه شرعا، آخذين في الاعتبار أن نقل الكلية لن يتم إلا تحت إشراف الأطباء بحيث لا يتضرر من تؤخذ منه تضررا كبيرا.

الضرورة

ومن جانبه يبين رئيس قسم الشريعة بكلية الشريعة جامعة الكويت ورئيس تحرير مجلة الفرقان والكاتب الصحفي د.بسام الشطي بعض الأمور قبل الدخول في التفاصيل ويبدأها بقوله: لابد أن نفرق بين الآتي في حكم زراعة الأعضاء ونقلها، إذا كانت من إنسان إلى إنسان آخر، أو من ميت إلى إنسان حي، أو من حيوان إلى إنسان، أو من عضو مصنوع من البلاستيك إلى إنسان، فيقول: لقد تقدم الطب بشكل واضح وكله في خدمة البشر {علم الإنسان ما لم يعلم} (العلق: 5) {وفوق كل ذي علم عليم} (يوسف: 76) وأصبح من الضرورات إحياء الإنسان كما قال تعالى {ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا} (المائدة: 32) وقاعدة «الضرورات تبيح المحظورات»، وقاعدة «الحاجة تنزل منزلة الضرورة»، فهناك قسم كبير من العلماء يرون عدم جواز نقل الأعضاء من جسم إلى آخر، واستدلوا لذلك بأن الإنسان لا يملك جسده حيا أو ميتا حتى يهبه ويعطيه للآخرين، فكيف يعطي ويتبرع بما لا يملكه؟! وقال بعضهم: فيه تشويه لجسد الإنسان وتقطيع أعضائه، أو برر بعضهم أنه قد يحدث عند نقله تعطل إحدى الكليتين مثلا فيحتاج المتبرع إلى كليته التي تبرع بها، والثانية قد لا تصلح لمن تبرع بها إليه ويرفضها جسده، ونكون قد تسببنا في هلاكه، وقال بعضهم: سدا للذرائع حيث هناك طوابير ينتظرون من يشتري منهم حتى يستطيعون القضاء على ديونهم أو يتغلبوا على متطلبات الحياة، ويضيف: وكم من إنسان نقل إليه عضو من إنسان آخر وبعد فترة لفظه ولم يقبله، ناهيك أنه يستخدم الأدوية التي تضعفه وتؤدي به إلى التهلكة {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين} (البقرة:195) و«لا ضرر ولا ضرار» (حسنه الألباني) و«درء المفاسد مقدم على جلب المصالح» وأيضا هذا فيه إلحاق أذى بمن تبرع، وحرم الله سبحانه وتعالى الإيذاء قائلا {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} (الأحزاب:58) وبعض أهل العلم يرى أن هذا تمثيل بالميت، ولقد جاء النهي المحرم بهذا العمل لحديث «لا تمثلوا» (صحيح مسلم)، وبعضهم قال: هذا يمس كرامة الإنسان حيا أو ميتا {ولقد كرمنا بني آدم} (الإسراء: 70)، وبعضهم حرم نقل الأعضاء حتى عن الميت لحديث «كسر عظم الميت ككسره حيا» في الإثم.
وأما الذين أجازوا نقل الأعضاء فكانت إجازتهم بأدلة الضرورات ورجوح المصلحة الراجحة، والمشاركة لإحياء النفس بعد رحمة الله تبارك وتعالى، وهذا علم يستفاد منه ومن بابه {وفوق كل ذي علم عليم} (يوسف: 76) وردوا على القائلين بالتمثيل بأن المحرم بعد وفاة الشخص أما في حياته فلا يعتبر تمثيلا بجثة الميت لاسيما إذا تمت مراعاة القواعد الطبية. والذي أراه أنه جائز بشروط منها: عدم الشراء، وأن يتم بموافقة الشخص السليم المتبرع كتطوع واحتساب للأجر عند الله عز وجل، واتخاذ الإجراءات الكفيلة للاطمئنان على صحته وصحة من تبرع له، واذا كان من متبرع فعلى سبيل الإحسان أو الوفاء بالمعروف دون تحديد مبلغ معين «ومن صنع إليكم معروفا فكافئوه» (الترغيب والترهيب)، ولابد من إخضاعهما لفحوصات دقيقة حتى يحصل النفع ويكون ذلك كله في اطار محدود مثل زراعة الكلى وقرنية العين من الميت والأمور التي لا تنقل الصفات الوراثية.
ويحرم نقل عضو تتوقف عليه الحياة كالقلب، ونقل القرنية من الحي، وأما الأعضاء البلاستيكية أو القطع الصناعية فلا حرج فيها إذا كان ذلك نافعا للإنسان، ولا أعرف عالما تردد في ذلك، أما بالنسبة للحيوان فحسب المقاصد الشرعية، بحيث لا يحدث تشويه في صورة الحيوان أو جسده أو إلحاق ألم به أو تعذيبه لأن هذا محرم {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (الحج: 78).



بقلم الكاتب:  عبدالرشيد راشد - أميرة إبراهيم

عدد القرآء: 3419


الصفحة الرئيسية

الافتتاحية

أنشطة

مناسبات

حوار

رثاء

ملف العدد

دعوة

تراثنا

إصبعي السادسة

لغة وأدب

أنباء الكتب

فنون

رؤية

قيم

فكر

قراءة

ظاهرة

أسرتي

بريد القراء

منسيون

أعلام

منارات

ترجمات

جديد المعرفة

فتاوى الوعي

ينابيع المعرفة

مسك الختام

براعم الإيمان

      


 

مجلة الوعي الإسلامي - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - دولة الكويت

       <