2010-09-03

 532

 

 


الإعجاز في رسم المصحف بين القبول والرفض

أخذت العناية بالكتاب العزيز أشكالا كثيرة متنوعة طالت مناطق مختلفة مما يرتبط به، حتى صارت العناية بخطه وطريقة هجائه علما مستقلا في قائمة علوم القرآن، وهو ما تجد مصداقه في الأبواب التي صنعها المؤلفون في علوم القرآن كما يلي:


1- باب في كتابة المصحف وهجائه في «فنون الأفنان في عجائب علوم القرآن» لابن الجوزى المتوفى سنة 597هـ ص 119-129.
2- علم مرسوم الخط في «البرهان في علوم القرآن» للسيوطي توفي سنة 911 هـ مج2 ج/4 ص 145-166.
3- كتابة القرآن ورسم مصاحفه وما يتعلق بذلك في «مناهل العرفان في علوم القرآن» للزرقاني المتوفي سنة 1367هـ ج 1/ص361-411.
وقد عرف التاريخ العلمي عند المسلمين استقلال التصنيف في هذا العلم منذ وقت قديم جدا لأمثال: يحيى بن الحارث الذماري، وأبي عمرو بن العلاء، والكسائي، والغازي الأندلسي، وأبي عمرو الداني وغيرهم كثيرون (1).


1- تطور التأليف في رسم المصحف مدخل لقضية القول بإعجازه.
لقد كانت مباحث رسم المصحف في تاريخ العناية به تهدف إلى نوع من حفظ ما ورد في المصاحف القديمة على اعتبار أن الفتوى الثابتة المستقرة تقضي بوجوب التزام الرسم العثماني عبر العصور خلافا للعز بن عبدالسلام فيما روي عنه!
ولعل السر وراء ذلك الإجماع كامن في إغلاق الأبواب التي يمكن أن تفضي إلى تحريف الكتاب العزيز.
على أن ثمة تطورا مهما أصاب هذا العلم وتوسع فيه أبوالعباس أحمد بن البناء المراكشي (654-721هـ) في كتابه «عنوان الدليل من مرسوم خط التنزيل» (2) .
وخطورة هذا الكتاب أنه صنع اتجاها كاملا، صارت له الغلبة والجلبة فيما بعد، يفسر اختلافات الرسم العثماني في الكلمات تفسيرا يعكس الإيمان بإعجاز رسم المصحف، وهوتطوير واسع المدى للاتجاه القائل بتوقيف الرسم المصحفي، ومن لوازمه المفرطة في التأويل.
وقد وصف هذه المحاولة التي وجدت من ينسج على منوالها د.غانم قدروي الحمد في دراسته الرائدة «رسم المصحف: دراسة لغوية تاريخية» بغداد 1402هـ ـ 1982م ص 8
وكان أساس هذه المحاولة هو تفسير ظواهر الرسم على أساس اختلاف معاني الكلمات حسب السياقات بأسلوب صوفي باطني» وعلى الرغم من قسوة هذا الوصف فإن ثمة ما يدعمه من بعض عناوين مؤلفاته من مثل «مراسم الطريقة في فهم الحقيقة» و«شرح مراسم الطريقة» و«رسالة في طبائع الحروف» وهي جميعا عناوين تضرب في اللغة الصوفية بسهم.
هذا فضلا عما عرضته د. هند شلبي في أثناء حديثها عن مذهب ابن البناء في تعليل رسم المصحف في تقسيمه على ظاهر وباطن في باب ما يدرك.
وهذا هو الخطر في المسألة، وفي تطور النظر في قضية القول بما سمي عند بعض المعاصرين بإعجاز التلاوة!


2- الانتصار لآراء ابن البناء المراكشي
وقد انتصر لأفكار ابن البناء المراكشي منذ فترة مبكرة جدا، وربما يكون هذا الانتصار قد وقع في حياته، إذ نرى نقولا وموافقة من الزركشي 794هـ، ثم استمر هذا الانتصار عند السيوطي 911هـ .
حتى جاء العصر الحديث لنرى لمذهب أبي العباس هذا أثرا في مواقف من تعرضوا لدراسة الرسم من بعده، على ما نرى في دراسة د.عبد الحي حسين الفرماوي في كتابه «رسم المصحف ونقطه» الذي كان في أصله رسالة دكتوراه بجامعة الأزهر 1395هـ ـ 1975م.
ثم جاء محمد شملول ليتطور بالقضية تطورا أوسع مدى عندما ينتصر لابن البناء المراكشي ويؤلف في القضية تحت عنوان «إعجاز رسم القرآن وإعجاز التلاوة» ، طبعة دار السلام، القاهرة 1428هـ ـ 2007م بتقديم د.علي جمعة، مفتي الديار المصرية.
وخطر العنوان أنه يلزم منه وضع الذين قالوا بأن خط المصحف اصطلاحي وليس توقيفيا في موقف حرج دينيا وعقديا!
وواضح أن قراءة القضية من إطار وجداني عاطفي يحكم بمتابعة رأي المراكشي، فمن ذا الذي لا يرقى بمنزلة الصحابة، ويرقى بمنزلة خط المصحف، وأن وراءه أسرارا وكنوزا؟
ويبدو أن البعد الباطني في قراءة اختلافات الرسم العثماني كان واضحا منذ فترة بعيدة قديمة، وهوما يفسر الحدة التي واجه بها ابن خلدون 808هـ هذا الاتجاه ، فيقول في مقدمته «تحقيق د.علي عبد الواحد وافي 2/966»: ولا تلتفتن في ذلك إلى ما يزعمه بعض المغفلين من أنهم (أي الصحابة) كانوا محكمين لصناعة الخط، وأن ما يتخيل من مخالفة خطوطهم لأصول الرسم ليس كما يتخيل بل لكلها وجه، ويقولون في مثل زيادة الألف في {لا أذبحنه} (النمل -21)،
إنه تنبيه على أن الذبح لم يقع، وفي زيادة الياء في قوله تعالى {بأييد} (الذاريات -47)، إنه تنبيه على كمال القدرة الربانية.
وكتاب ابن البناء تفسير قريب مما يسخر منه ابن خلدون هنا، يقول المراكشي في لغة باطنية 91 «ولا شك أن القوة التي بنى بها الله السماء هي أحق بالثبوت في الوجود من الأيدي، فزيدت الياء لاختصاص اللفظة بالمعنى الأظهر في الإدراك الملكوتى في الوجود».
ويستمر محمد شملول في «إعجاز رسم القرآن» ص 149 «إن زيادة حرف «ي» في كلمة بأييد يوضح قوة وشدة السماء ومتانة سمكها وبنائها»!
وقد كان ذلك أمرا واضحا عند د.عبد الحي حسين الفرماوي الذي صنع مبحثا مستقلا بعنوان «الدلالة على معنى خفي دقيق» ومثل فيه أول ما مثل بزيادة الياء في قوله تعالى {بأييد}، ليصل إلى أن يقرر 428 « وهكذا لا يعدم المتأمل في الرسم بعقل واع وقلب مستضيء من أن يقع على أسرار من أسرار الإعجاز في الرسم، فلله در القرآن ما أعظم بركاته ! وما أكثر أسراره ! لفظا ومعنى ورسما.


3- الساحة ليست فارغة
والحق يقتضي أن نقرر أن غلبة هذا الصوت القائل بإعجاز رسم المصحف المدعوم بقبول وجداني وعاطفي عام لا يصح أن تبعدنا عن اتجاه مهم جدا يرى أن رسم المصحف لا مدخل للتوقيف فيه، إنما هوصناعة بشرية اضطلع بها الصحابة رضوان الله عليهم .
ومن أقدم من انتصر لهذا الاتجاه أبوبكر الباقلانى وابن خلدون على ما رأينا في تعليقه على القائلين بوجود أسرار كامنة خلف الرسم ومن المعاصرين الشيخ حسين والي وأحمد حسن الزيات ود.رمضان عبد التواب ود.غانم قدوري الحمد ود.علي عبد الواحد وافي.
وهذه بإجمال أبرز أدلة القائلين بعدم توقيفية الرسم العثماني.
أ- عدم بيان السنة وجها معينا لرسمه.
ب- لا دليل من القرآن ولا القياس الشرعي يوجب رسمه على وجه مخصوص.
ج- اختلاف خطوط المصاحف


4- تساؤلات على الطريق
والحق أن ثمة تساؤلات كثيرة ينبغي التوقف أمامها في هذا السياق لأهميتها، وأول ما يجب التنبيه إليه هو كيف جاز للأمة أن تقبل بإدخال أية تعديلات تحسينية على الخط أو الرسم العثماني عبر العصور من مثل: نقطه وإعجامه، أي التمييز بين حروفه باستعمال النقط، وهو ما لم يكن موجودا في الرسم الذي تم في عهد النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا في الجمعين اللذين وقعا في عصر أبى بكر وعثمان رضي الله عنهما.
أفليس قبول هذا التعديل، ومن قبله الموافقة على إجرائه إعلان بعدم توقيفية الرسم المصحفي؟!
ثم أليس دخول الضبط (الشكل) وتطوره في مرحلتين، هما مرحلة الضبط بالنقط بالمداد الأحمر بجوار النقط أو الاعجام بالمداد الأسود، ثم الضبط باستعمال الأشكال التي ابتكرها الخليل بن أحمد 175هـ والتي استمرت إلى يوم الناس هذا. (الضمة بُ والكسرة بِ وقد كانت في أصلها ياء مرتدة تحت الحرف، والفتحة تَ وهي ألف مضطجعة فوق الحرف، والشدة ، وهي رأس شين مهملة فوق الخط، وبْ التي كانت في أصلها رأس خاء مهملة فوق الحرف) أقول أليس دخول الضبط أيضا دليلا على عدم توقيفية الرسم العثماني؟1
وهل يصح أن يكون الرسم الناقص الذي تم إدخال عدد من التعديلات والتحسينات عليه توقيفيا؟
أمر ثان يجب أن نتأمله جيدا وهو مع إقرارنا بمنزلة الصحابة الكرام رضي الله عنهم، ومع قولنا بجهادهم العلمي في خدمة الكتاب العزيز، هل ثبت القول بعصمتهم؟ وهل روي عن احد من السلف أو الخلف القول بقداسة ما صنعوا أو فعلوا؟ وهل صح أنهم جميعا كانوا أئمة في الاجتهاد والعلم ولا يجوز في حق أحد منهم الخطأ فيهما؟ اللهم لا. وإذا كان القول بعصمة الصحابة غير وراد فان القول بتنزيه خطوطهم عن الاضطراب أمر يحتاج إلى شيء غير قليل من المراجعة والتأمل. هذان إشكالان مهمان يمكن أن يضاف إليهما عدد آخر من الإشكالات يلزم الجواب عنها قبل التورط في القول بإعجاز رسم المصحف الشريف من مثل: هل ورد أن جبريل عليه السلام نزل بنسخة مكتوبة من القرآن الكريم، وهل نزل مصحف من السماء؟ اللهم لا!


5-العلاقة بين القول باصطلاحية الرسم المصحفي والقول بمخالفته.
والحق - كذلك - يفرض علينا أن نقرر أن القول بعدم توقيفية الرسم المصحفي وأنه صناعة بشرية خاضعة لما كان شائعا مألوفا من قواعد الكتابة العربية في ذلك الزمان البعيد، وخاضعة لاختلاف مستويات الصحابة الكتاب في الكتابة والتدوين والإتقان في هذا الباب المهاري أقول إن القول بهذا لا يلزم منه القول بمخالفة الرسم العثماني للمصحف الشريف، ذلك أن المنع من مخالفته، ووجوب التزامه والحفاظ عليه لاعتبارات وعلل أخرى يأتي في مقدمتها:
أ- إغلاق الباب أمام العبث بالقرآن الكريم.
ب- تقديم الجهد العلمي الجبار الذي اضطلع به الصحابة العلماء الذين قاموا على جمع المصحف الشريف وتدوينه وكتابته.
ومن المهم أن نقرر أن الانتصار للقول بأن رسم المصحف الشريف صناعة بشرية وليس توقيفا إنما كان احترما للأدلة النقلية والعقلية وأنه - وما يتولد عنه من نتائج - لا يصح أن يتخذ ذريعة لهجرانه ومخالفته، فذلك ما لا يرضى عنه مسلم.


المراجع
1- انظر: الفهرست لابن النديم 38 وما بعدها ودراسة د. أحمد شرشال لكتاب «مختصر التنبيه لهجاء التنزيل» لابن نجاح المتوفى سنة 496هـ ج1/164-199.
2- حققته ونشرته د. هند شلبي في دار الغرب الإسلامي، بيروت سنة 1990م
3- اعتمدنا طبعة دار نور المكتبات، والمكتبة المكية، بجدة ومكة المكرمة سنة 1425هـ ـ 2004م.
 


 



بقلم الكاتب:  د.خالد فهمي

عدد القرآء: 3116


الصفحة الرئيسية

الافتتاحية

أنشطة

مناسبات

حوار

رثاء

ملف العدد

دعوة

تراثنا

إصبعي السادسة

لغة وأدب

أنباء الكتب

فنون

رؤية

قيم

فكر

قراءة

ظاهرة

أسرتي

بريد القراء

منسيون

أعلام

منارات

ترجمات

جديد المعرفة

فتاوى الوعي

ينابيع المعرفة

مسك الختام

براعم الإيمان

      


 

مجلة الوعي الإسلامي - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - دولة الكويت

       <