2010-09-03

 532

 

 


"إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم"

إني ما قرأت هذا الحديث الشريف مرة، إلا استحوذ على انتباهي وسيطر على مشاعري وهزني هزاً عنيفاً، والحديث يخاطب زمرة من الناس الاغنياء، الذين لا يستطيعون ان ينالوا رضا الناس بأموالهم يوزعونها ارضاء لهم وتحقيقاً لغرورهم المادي، ولكنهم لا يحققون ذلك مهما بلغ غناهم، وفي موازاة عملية بين الأموال والأخلاق، وبين الترف والغنى وحسن الأخلاق، يأتي الحديث الشريف ليضع لنا في طريقنا صوى نهتدي إليها، محال أن ترضوا الناس وتتآلفوا معهم بأموالكم، ولكنكم تستطيعون ذلك بأبسط الأمور وأيسرها، ولا يكلفكم ذلك مالاً ولا نشبا وهو التخلق بالأخلاق الفاضلة والتحلي بالصفات الحميدة، إنكم تستولون على قلوب الناس بالكلمة الطيبة وبالتأني وحسن المعاملة، وبلين الجانب، فالغلظة في المعاملة والتعالي في التعاطي مع الناس مهما تكن الأموال طائلة لا يغنيان شيئا عن البر والاحسان بالأخلاق والمعاملة.

"إنما جئت لأتمم مكارم الأخلاق" كأن هذا القول يلخص الدين القويم، ويختزل معانيه ومقاصده الكريمة، والقصد من الدين تربية الناس على الأخلاق القويمة، وحثهم على المعاملة الطيبة، لبناء مجتمع قوي متماسك متراحم، والفرد متى حسنت أخلاقه يصبح لبنة قوية في ذلك البناء.
فكم من غني ينفر منه الناس ولو كان كريما معطاء لسلوكه السيئ، وكم من أب موسر أشبع أولاده فظاظة وسوء معاملة رغم الأموال التي يقدمها إليهم، وكم من زوجة صبرت على أذى زوجها من سوء معاملته لها، إن الناس لا يريدون المال وانما يريدون نبل الأخلاق، وحلو الكلام وحسن العشرة والمعاملة، ولذلك اعتبر الرسول (صلى الله عليه وسلم) تعاملنا الطيب مع الناس صدقة "وتبسمك في وجه أخيك صدقة"، وكما ينفر الناس من الوجه العابس يقبلون على الوجه المشرق المبتسم، وكل ذلك يدخل في اسلوب المعاملة وحسن خلق المرء مع إخوانه واصدقائه، ان المال يذهب ويبقى الذكر الحسن، وان المال ينفد ولكن نبع الطيب والاخلاق الحسنة يبقى يتسلسل برفق واناة وهدوء ولكنه لا ينقطع، وكم كانت اخلاق نبينا الكريم راقية عالية، وكم كظم غيظه وعفا عن الناس، وكم استولى على قلوب الناس ووسعهم بأخلاقه وتعامله معهم، إن الدين لا يريد اغنياء بالأموال ولكن يريد اغنياء بالسلوك اثرياء بالاخلاق موسرين بالصفات الحسنة الحميدة، هل كان النبي عليه الصلاة والسلام غنياً ذا مال وبنين، أبداً ولكنه كان غنياً بأخلاقه وصفاته وتعامله الإنساني الرفيع وتسامحه مع اعدائه حين تمكن منهم قال: "اذهبوا فانتم الطلقاء".
وكذلك كان أصحابه رضي الله عنهم يذكرهم التاريخ بأفعالهم وأخلاقهم.



بقلم الكاتب:  عبدالهادي صافي ـ سورية

عدد القرآء: 4863


الصفحة الرئيسية

الافتتاحية

أنشطة

مناسبات

حوار

رثاء

ملف العدد

دعوة

تراثنا

إصبعي السادسة

لغة وأدب

أنباء الكتب

فنون

رؤية

قيم

فكر

قراءة

ظاهرة

أسرتي

بريد القراء

منسيون

أعلام

منارات

ترجمات

جديد المعرفة

فتاوى الوعي

ينابيع المعرفة

مسك الختام

براعم الإيمان

      


 

مجلة الوعي الإسلامي - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - دولة الكويت

       <