2010-09-03

 532

 

 


طب الأطفال ينظر إلى مشكلة شائعة: تأخر الطفل عن الكلام

كثيرا ما يثور قلق الأم لتأخر طفلها عن الكلام· وفي أحيان كثيرة لا يكون للقلق ما يبرره، وإنما ينشأ القلق نتيجة عدم معرفة مراحل النمو الطبيعية للطفل وأوقات حدوثها·
من جهة أخرى، فأحيانا يكون هناك تجاهل من قبل الوالدين لتأخر طفلهما عن الكلام، بدعوى أن وقت الكلام لم يحن بعد وأن الطفل سينطلق في الكلام يوما ما! وقد يكون الصبر على تأخر الطفل عن الكلام أمراً حميداً إذا كان للوالدين معرفة بالنمو الطبيعي للطفل، مع ثقة كاملة في أن طفلهما غير مصاب بعلة مرضية تعوق اكتساب مهارة الكلام· أما عندما يكون تجاهل تأخر الطفل عن الكلام نابعا من تهاون في تقويم الأمور، فقد يؤدى ذلك إلى إصابة الطفل بالبكم، (أي العجز عن الكلام) نتيجة عدم اكتشاف السبب وعلاجه في حينه·
وحتى لا يثور قلق من دون مبرر، أو يقع تهاون يذهب الطفل ضحيته، فإننا نعرض المراحل الطبيعية لاكتساب الطفل لمهارة الكلام، ثم نتعرض لأكثر أسباب تأخر الأطفال عن الكلام شيوعا، ثم نبينِّ كيف يمكن تشخيص العلة والعلاج الممكن لها·

مرحلة الجنين
الثابت طبياً أن الجنين يستمع للأصوات التي تصل الى أذنيه وهو في بطن أمه· ويستدل على ذلك من متابعة حركة الجنين في الرحم باستخدام جهاز التصوير بالموجات فوق الصوتية· إذ قد ينتفض الجنين في الرحم عند صدور صوت حاد مفاجئ، بالكيفية نفسها التي ينتفض بها الإنسان البالغ عند سماع المؤثر نفسه (أي الصوت الحاد المفاجئ) كما يستدل على قدرة الجنين على السمع من متابعة خفقات (نبضات أو ضربات) قلبه، في حال إحداث أصوات مختلفة من حيث النوع والدرجة والحدة، بينما يتابع جهاز >رسام القلب< ترجمة خفقات القلب إلى موجات (ذبذبات) تختلف قوة وسرعة باختلاف المؤثر الصوتي!
على أن قدرة الجنين على الاستماع وهو في الرحم لا تلعب دوراً في اكتساب اللغة بعد الولادة· وهذا الاستنتاج غير مبني على دراسة عملية >إذ يستحيل إجراء مثل هذا النوع من الدراسة في ضوء المعرفة الطبية المتاحة اليوم وفي ظل أجهزة القياس المختلفة المتوافرة اليوم< وإنما ينطلق الاستنتاج من الطبيعة المعقدة لمهارة اكتساب اللغة، وقيامها على عوامل عدة متشابكة ليست حاسة السمع إلا واحدة منها·

مهارة الكلام
في الوقت الراهن، فإن المقبول علميا - ومنطقيا، أن الطفل يكتسب مهارة الكلام بعد الولادة وليس قبلها· وعندما يولد الطفل، فإن الأصوات التي يكون قادرا على إصدارها لا تتجاوز الصراخ (الصياح) والبكاء· وبمرور الوقت ونمو جهاز إصدار الأصوات تصدر عن الطفل الصغير أصوات سجع (هديل) وغرغرة·
(أصوات السجع "cooing" أصوات شبيهة بهديل الحمام، وأصوات الغرغرة "gurgling" شبيهة بصوت تحريك سائل في الحلق، كما يفعل البالغ الذي يداوي لوزيته الملتهبتين في حلقه)·
وبين الشهر الثالث والسادس من العمر، تبدأ الأصوات التي يصدرها الطفل في التنوع من حيث الدرجة والنغمة والنوع والنظم· وبحلول الشهر السادس من العمر، يكون الطفل قادراً على إصدار أصوات تسمى أصوات >البأبأة< (أو الوأوأة) "baabbling"، وهي أصوات من حرف واحد يكرره الطفل مرات عدة · مثال ذلك أن يقول الطفل >ب ب ب< أو >د د د<، مع ارتفاع حدة الصوت تدريجيا (فيما يشبه إيقاعاً موسيقياً غير مقصود)·
عندما يبدأ الطفل في إصدار أصوات >البأبأة<، فإنه يصدر الحروف سهلة النطق أولا، مثل الباء والدال واللام والميم والنون والغين· أما الأصوات الصعبة الإصدار (هي الحروف الصعبة النطق) مثل الراء والعين والضاد والقاف، فإنها تأتي في مرحلة لاحقة· وكذا الأصوات (أو الحروف) التي تختلط مع غيرها، مثل السين والشين والزاي، فإنها تأتي في مرحلة متقدمة·
ويتوقع أن يكون الطفل قادراً على نطق أول كلمة بين الشهر التاسع والشهر الثامن عشر من العمر· ونطق أول كلمة يعني (باللغة العلمية) أن الطفل قد وصل إلى المرحلة الأولى من مراحل اكتساب الكلام (مهارة اللغة)·
تبدأ المرحلة الثانية من مراحل اكتساب مهارة اللغة من الشهر الثامن عشر، وتمتد إلى نهاية العام الثاني من العمر (18-24) وشهراً وخلال هذه المرحلة يكون الطفل قادراً على إصدار أصوات (نطق) كلمات مبعثرة (متفرقة)، من بينها >ماما< و>بابا<، وبحلول العام الثاني من العمر يكون رصيد الطفل من المفردات (الكلمات) متراوحا بين مئة إلى مئتي كلمة·
في المرحلة الثالثة من اكتساب الكلام، وهذه الفترة تمتد من نهاية العام الثاني مدة ستة أشهر بعد تجاوز العام الثاني من عمره وفي هذا العمر يكون الطفل قادراً على تكوين جمل قصيرة ذات معنى· وتتكون معظم الجمل في هذه المرحلة من ثلاث كلمات·
أما المرحلة الرابعة من اكتساب الكلام، فتمتد من عامين ونصف العام إلى ثلاثة أعوام، وخلالها يكتسب الطفل القدرة على تكوين جمل معقدة مكونة من أربع كلمات فأكثر· وبحلول العام الثالث من العمر يكون الطفل كائنا قادراً على التواصل مع الآخرين بالكلام·
(الكلام عن >مراحل< اكتساب مهارة اللغة مرتبط باكتساب المهارة الأساسية· أما تطوير اللغة بعد اكتسابها فعملية مستمرة إلى آخر العمر)·

التأخر عن الكلام
يلزم لاكتساب مهارة اللغة توافر عوامل عدة أهمها:
> سلامة المخ والجهاز العصبي·
> سلامة حاسة السمع·
> سلامة جهاز إصدار الأصوات (ويتكون من الحنجرة وأحبال الصوت) وجهاز النطق (ويتكون من الفم ومحتوياته)·
> وجود مصدر للغة، منه يكتسب الطفل الأصوات والكلمات ودلالات الألفاظ·
وفي غياب واحد أو أكثر من العوامل المذكورة لن يتمكن الطفل من اكتساب مهارة اللغة في صورتها الكاملة· وتتفاوت درجة ونوع القصور في اكتساب مهارة اللغة تبعاً للعامل غير المتوافر·

أكثر أسباب التأخر عن الكلام شيوعا ما يلي:
> تأخر نمو الطفل بصفة عامة:
قد يكون ذلك راجعا إلى أسباب متعلقة بالحمل أو بالولادة أو بإصابة الطفل بمرض خلقي (بكسر الخاء وسكون اللام) أو مكتسب·
من أمثلة أمراض الحمل (أو الحامل) التي تؤدى إلى تأخر نمو الطفل العام بعد الولادة، إصابة الحامل بالحمى أو بالحصبة أو بارتفاع ضغط الدم أو بتسمم الحمل· ومن أمثلة الأسباب المتعلقة بالولادة التي تؤدي إلى تأخر النمو العام: الولادة قبل الأوان، والولادة العسرة، سواء استخدمت فيها آلات لإخراج الجنين من الرحم أو لم تستخدم، ومن الأمراض الخلقية التي تؤخر نمو الطفل، عيوب القلب الخلقية (أوالفطرية) مثل وجود فتحة (غير طبيعية) بين البطينين، وكذا عيوب التمثيل الغذائي (الهضم وامتصاص الطعام) الفطرية، وغيرها، أما أمراض الأطفال المكتسبة فيمكن أن تؤثر على النمو العام إذا كانت خطيرة أو متطاولة (مزمنة)·

> اضطراب حاسة السمع
قد يحدث خلل وظيفي في حاسة السمع نتيجة استخدام الآلات في أثناء توليد الطفل، أو نتيجة الإصابة بعدوى مرضية في الأذن بعد الولادة· ومعظم حالات ضعف حاسة السمع عند الأطفال يرجع إلى عدوى مرضية تصيب أذن الطفل ولم تكتشف إما عن طريق الوالدين أو عن طريق الطبيب المتابع لصحة الطفل في الوقت المناسب، ومن ثم تتحول إلى حال مزمنة· واضطراب (أو ضعف أو اختلال) حاسة السمع وهذا من أكثر أسباب تأخر الطفل عن الكلام وهذه الحال قابلة للعلاج·

> عدم توافر تنبيه كاف حول الطفل لاكتساب مهارة اللغة:
يحدث ذلك عند الوليد الأول الذي تنشغل أمه عنه بأعباء البيت· وقد يحدث ذلك أيضاً عند ترك الطفل بمفرده ساعات طويلة كل يوم· فاكتساب القدرة على الكلام يتناسب طرداً مع مداعبة الطفل ومناغاته، بمعنى أنه كلما زادت مداعبة الطفل كلما عجل ذلك بقدرته على اكتساب مهارة الكلام·

> الاضطرابات النفسية
وهذا سبب أقل شيوعاً من الأسباب الأخرى المذكورة آنفاً· لكنه يجب أن يكون في الحسبان، ولاسيما أن طب الأطفال يؤكد أن الاضطرابات النفسية ليست مقصورة على الكبار (البالغين)·
>بعض الأمراض العصبية والوراثية تؤدي إلى التأخر عن الكلام، وربما إلى العجز الكامل عن اكتساب الطفل مهارة الكلام، لكننا لم نفصل ذلك هنا، لأن مثل هذه الأمراض ربما تكون نادرة<·

التشخيص والعلاج
عندما تشكو أم من تأخر طفلها عن الكلام، يجب أن ينصرف اهتمام الطبيب إلى طريقة كلام الأم وأسلوبها في التعبير· فالطفل يكتسب اللغة ممن حوله، وبالتالي فمن الطبيعي أن تتأثر تلك المهارة عند الطفل بمستواها من المحيطين به (وقد تكون الأم نفسها >أو الأب< مصاب بعيب من عيوب النطق)·
ثم ينصرف اهتمام الطبيب إلى ملاحظة النمو العام للطفل، وتحديد درجة قصور النمو بالرجوع إلى >جدول النمو< وليس بالاستناد إلى رأي شخصي يهدف إلى التطمين· وعندما يكون هناك قصور في النمو فيجب معرفة سبب ذلك وعلاجه ما أمكن·
أما فحص الجهاز السمعي، فيجب أن يكون جزءاً لا يتجزأ من فحص أي طفل له شكوى مرضية، بغض النظر عن طبيعة الشكوى المرضية، وعندما تكون الشكوى خاصة بالتأخر عن الكلام، يكون فحص الجهاز السمعي بالغ الأهمية، ويجب إجراؤه بدقة، مع الاستعانة باختبارات معملية·
في أثناء عرض الطفل على الطبيب يجب أن يلتفت الطبيب إلى الجهاز الصوتي عند الصغير: هل يصدر الطفل صوتا ويحدد الصوت من أي نوع أم أنه صامت تماماً؟! هل يصدر الطفل أي صوت غريب؟! (في حالات >الشلل المخي< "cerebral palsy"، يصدر الطفل صوتا مملا على وتيرة واحدة· وفي بعض حالات >التخلف العقلي< "mental retardatin" يكون صوت الطفل شبيها بعواء الذئب!)·
ويتعين على الطبيب أن يستعلم من الوالدين عن كيفية معاملة الطفل في البيت، وما إذا كان يترك بمفرده ساعات طويلة كل يوم، وكيف تكون ملاعبة الوالدين للطفل؟!
هل يفهم الطفل ما يقال له؟! وكيف تكون استجابته؟! وذلك قبل أن يكوِّن رأيه النهائي عن حال الطفل السمعية·
في أكثر الحالات، لا يكون هناك سبب عضوى أو نفسي لتأخر الطفل عن الكلام، إذ يتفاوت معدل اكتساب ونمو هذه المهارة بدرجة كبيرة بين الأطفال الطبيعيين· >لاحظ أن الطفل ينطق أول كلمة بين الشهر التاسع والشهر الثامن عشر من العمر< وفي معظم حالات التأخر عن الكلام يكون السبب عدم مداعبة الصغير بما يكفي لاكتساب مهارة الكلام· وحيثما أظهر الفحص الطبي سببا قابلاً للعلاج· فإن علاجه في الوقت المناسب يؤدى إلى عودة الأمور إلى خط سيرها الطبيعي·
والجدير ذكره أن التأخر في كشف العلة، وبالتالي في علاجها (إذا كانت ممكنة العلاج) لن يحول دون اكتساب الطفل للقدرة على الكلام فحسب، بل قد يؤثر على اكتساب مهارة اللغة، وقد يؤدي إلى التخلف العقلي·

 



بقلم الكاتب:   د· عبدالرحمن عبداللطيف النمر

عدد القرآء: 10456


الصفحة الرئيسية

الافتتاحية

أنشطة

مناسبات

حوار

رثاء

ملف العدد

دعوة

تراثنا

إصبعي السادسة

لغة وأدب

أنباء الكتب

فنون

رؤية

قيم

فكر

قراءة

ظاهرة

أسرتي

بريد القراء

منسيون

أعلام

منارات

ترجمات

جديد المعرفة

فتاوى الوعي

ينابيع المعرفة

مسك الختام

براعم الإيمان

      


 

مجلة الوعي الإسلامي - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - دولة الكويت

       <