إن
صفات المعلم لها أكبر الأثر في تشكيل عقلية الدارس والمتعلم، وقد يستجيب الدارس-
وخصوصا في المراحل الأولى من التعليم- بدرجة كبيرة لمعلمه قد لا يستجيب بمثلها
لغيره، لأنه يعتبر المعلم هو القدوة في القول والفعل، لذلك اتجهت الدراسات والبحوث
إلى التعمق في شخصية المعلم، وما ينبغي أن يكون عليه من الناحية الشخصية والمهنية،
وهذه محاولة منا لإلقاء الضوء على ما يجب أن يكون عليه المعلم من صفات تؤهله لأداء
مهمته، لأنه - وقبل كل شيء- مرب، والتربية مهمة أخطر وأدق من التعليم ومن أبرزه هذا
الصفات:
1- حسن الاعتقاد: وهي أول صفة يجب أن يتحلى بها المعلم، ومعناها السير على ما
كان عليه الرسول (صلى الله عليه وسلم) وأصحابه والتابعون
والسلف الصالح، فيعتقد المعلم أن الله تعالى هو الخالق الرازق المحيي المميت، وهو
توحيد الربوبية، ويعتقد أنه لا معبود بحق إلا الله، وأن يفرده- سبحانه وتعالى-
بالعبادة، وهو توحيد الألوهية، كذلك يثبت ما أثبته الله تعالى لنفسه من اسماء
وصفات، وأن ينزهه عن كل نقص، وهو توحيد الأسماء والصفات، والمعلم إذا حسن اعتقاده
ينعكس ذلك بالايجاب على من يعلمهم، أما إذا ساء اعتقاده، وانحرف إلى أفكار الفرق
الضالة فإن مردود ذلك سيئ على كل المتعلمين عنده، فحسن اعتقاد المعلم وسلامته من كل
مظاهر الشرك يصل ان بتلامذته إلى مرتبة الإحسان التي هي أرقى مراتب الإيمان بالله
تعالى.
2- المعرفة بأمور الدين والتمسك بها: وهي صفة لازمة لكل معلم حتى يستطيع أن يربط
تلاميذه بالله تعالى وأن يجيب عن التساؤلات الموجهة إليه من قبل المتعلمين، وهذا
يفرض عليه الاطلاع على قدر كاف من العلوم الدينية يمكنه من أداء مهمته، وقد أجمع
علماء الشريعة الإسلامية على أن العلم المطلوب تعلمه نوعان: الأول، ما هو فرض عين،
وهو واجب على كل مكلف، ولا يعذر أحد بالجهل به، وهو العلم الذي يحتاج إليه المسلم
في إقامة دينه، وقبول عمله عند الله تعالى، واستقامة معاملته ومعاشرته للناس وفق
تعاليم الإسلام، يدخل في ذلك علوم العقيدة والعبادات وأحكام المعاملات، والثاني: ما
هو فرض كفاية، وهو علم ما يحتاج إليه المجتمع من غير نظر إلى شخص بعينه، إذا قام به
فرد أو أفراد من الأمة أجزأ عن الباقين، وإذا تركه الجميع أثموا جميعا، كصلاة
الجنازة، وإقامة القضاء، ودور العلم، ومنه ما هو دنيوي، كتعلم الصناعات والحرف التي
تحتاج إليها الدولة، والمعلم يجب أن يكون على بينة من كل هذا.
3- حب الطفولة والأطفال: لأن المعلم أكثر تعامله مع هذه الشريحة من المجتمع، فلابد
أن يكون ذا صدر رحب، يتفهم عقلية التلاميذ، وليكن الرسول (صلى
الله عليه وسلم) قدوته في ذلك، فقد روى البخاري عن أبي هريرة أنه قال:
«قبَّل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الحسن بن علي
وعنده الأقرع بن حابس التميمي جالسا، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت
منهم أحدا، فنظر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال:
«من لا يرحم لايرحم»، وفي حديث آخر «ليس منا من لم يرحم صغيرنا ويعرف حق كبيرنا»
(رواه أبو داود والترمذي)، فالمعلم يجب أن يكون رحيما بتلاميذه، فذلك أدعى أن تقبل
منه النصيحة، وأن يكون لتدريسه نتيجة مرجوة.
4- حب مهنة التعليم: مدح الله تعالى العلم والعلماء فقال سبحانه {... يرفع الله
الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} (المجادلة:11)، وكان أول ما نزل من
القرآن الكريم يحث على العلم والتعلم {اقرأ باسم ربك الذي خلق} (العلق:1)، وقد أثنى
الرسول (صلى الله عليه وسلم) على كل من يعلم الخير
للناس، فقد روى الترمذي عن أبي أمامة (رضي الله عنه)
قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): «إن الله
وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جحرها وحتى الحوت في البحر ليصلون على
معلمي الناس الخير»، وقد حظي المعلم بتقدير رسول الله (صلى الله
عليه وسلم) حيث أمر بإطلاق سراح الأسير من أسرى الكفار في غزوة بدر إذا علم
عشرة من المسلمين القراءة والكتابة، فلابد للمعلم أن يعي كل ذلك، ويعلم انه يؤدي
مهمة الأنبياء، ففي الحديث الشريف «إنما بعثت معلما» (السلسلة الضعيفة) وفي حديث
آخر يقول الرسول (صلى الله عليه وسلم) «...إن العلماء
ورثة الأنبياء، وإن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما إنما ورثوا العلم...» (سنن
الترمذي) وإذا أحب المعلم مهنته
جد
فيها واجتهد، وعلم تلاميذه ودارسيه جهد استطاعته، فحب مهنة التعليم من حب الدين.
5-سعة الإطلاع: ويعني ذلك ان يكون المعلم مثقفا ثقافة عامة بحكم كونه مربيا. وثقافة
المعلم عامل مؤثر في نضوج شخصيته، واتساع أفقه، وسعة مداركه، حتى ينجح في مهمته
التربوية والاجتماعية مع الأبناء والآباء والزملاء، وأهم ثقافة يجب أن يلم بها
المعلم إلماما جيدا هي الثقافة النفسية للأطفال ومن يعلمهم، كذلك العلم بمواهبهم
واستعداداتهم وقدراتهم الذهنية، كذلك معرفة قدر من العلوم الإنسانية، كالتاريخ
والاجتماع والاقتصاد والسياسة والأدب، بالإضافة إلى إجادة اللغة العربية والتحدث
بها للتلاميذ، كل ذلك في إطار من العلوم النافعة الدالة على الله عز وجل، كما يجب
على المعلم أن يبتعد عن كل ما يشوه الفكر ويتعارض مع الشرع الإسلامي، كالأفكار
العلمانية، والشيوعية وغيرها من الأفكار غير السوية، حتى ينجح في تجنب تلامذته تلك
الأفكار، ويدلهم- فقط- على العلم النافع الذي دائما ماكان يطلبه الرسول
(صلى الله عليه وسلم) من ربه قائلا: «اللهم إني أسألك
علما نافعا».
6- الصحة النفسية والاتزان الانفعالي: هي صفة ضرورية ومطلوبة لمن يتعامل مع عقول
متفاوتة في التفكير والفهم، حيث إنه يتعرض للغضب مرة، وللإثارة أخرى مما قد يصدر من
المتعلمين، لذلك مدح الله تعالى الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس وعدهم من المتقين
المحسنين، كما أمر بمقابلة السيئة بالحسنة فقال سبحانه {ادفع بالتي هي أحسن
السيئة...} (المؤمنون:96)، فالمعلم الجيد يتعامل مع المواقف المغضبة بروية وتؤدة
ووسطية، فلا إفراط ولا تفريط في انفعالاته، ولو تدبرنا سيرة الرسول
(صلى الله عليه وسلم) لعلمنا أنه كان يتعامل بالحكمة في
جميع مواقفه، فقد كان أحلم الناس وأحسنهم خلقا، فقد روى البخاري عن أبي هريرة
(رضي الله عنه) قال «بال أعرابي في المسجد، والرسول
(صلى الله عليه وسلم) جالس، فقام الناس إليه ليقعوا به،
أي ليعنفوه ويضربوه، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم):
«دعوه وأريقوا على بوله سجلا (دلوا) من ماء، فإنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا
معسرين»، فانظر- رحمك الله- كيف تعامل أفضل معلم مع الموقف المثير المغضب؟ وهكذا
يجب أن يكون كل معلم.
7- صحة البدن وحيويته: القوة مطلوبة وضرورية لكل مسلم أيا كان عمله، وهي للمعلم أشد
طلبا فقد اختار الله تعالى أنبياءه من ذوي الصحة والقوة، قال الله سبحانه مخبرا عن
طالوت- عليه السلام- مخاطبا بني إسرائيل {... إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في
العلم والجسم} (البقرة:247)، وقال سبحانه مخبرا عن موسى (عليه
السلام) على لسان ابنة شعيب {إن خير من استأجرت القوي الأمين}(القصص:26)،
وفي السنة الشريفة مدح الرسول (صلى الله عليه وسلم)
المؤمن القوي فقد روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة (رضي
الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
«المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير...» وقوة المعلم
ضرورية له، لا ليضرب أو يثور، ولكن ليشرح ويكرر، ويجيب عن كل تساؤل، ويقف أمام
دارسيه كالأسد، مع الرفق واللين، فقوة المعلم مع رفقه ولينه تكسبه احترام
المتعلمين.
8- التواضع وحسن الهندام: لقد أمر الله تعالى خير معلم وهو الرسول
(صلى الله عليه وسلم) أن يتواضع للمؤمنين فقال سبحانه
{واخفض جناحك للمؤمنين} (الحجر:88)، وأمر الناس جميعا- ومنهم المعلم- بالقول الحسن
{... وقولوا للناس حسنا} (البقرة:83)، وقد رأى الرسول (صلى الله
عليه وسلم) رجلا يدخل عليه في مسجده، ترتعد فرائصه، فطمأنه الرسول
(صلى الله عليه وسلم) بقوله «هون عليك فإني لست بملك،
إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد» (سنن ابن ماجه) ورغم مكانة الرسول
(صلى الله عليه وسلم)، إلا أنه كان يقول عن نفسه «كنت
أرعاها (أي الغنم) على قراريط لأهل مكة» (البخاري)، وكان (صلى
الله عليه وسلم) يعلم الصغير والكبير، ويجالس الجاهل والمتعلم، ويربي الرجال
والنساء، ويخاطب الجميع في تواضع وأدب جم، بعيدا عن كل مظهر من مظاهر الكبر
والغرور، ومع هذا التواضع يجب أن يكون المعلم ذا مظهر حسن، لأنه قدوة في المظهر
والمخبر، فالله تعالى جميل يحب الجمال، نظيف يحب النظافة، ودخل رجل على النبي
(صلى الله عليه وسلم) فأشار إليه، كأنه يأمره باصلاح
شعره، ففعل الرجل ثم رجع، فقال الرسول (صلى الله عليه وسلم)
«هذا خير من أن يأتي أحدكم ثائر الرأس كأنه شيطان» (البيهقي) وليس معنى حسن الهندام
تقليد هذا وذاك، أو الإسراف في الملبس، ولكن المقصود بذلك هو أن يظهر المعلم في
أحسن هيئة في إطار من القصد والاعتدال.
9- الفصاحة والذكاء: أكثر حاسة يستخدمها المعلم هي حاسة النطق والكلام، فالفصاحة
لازمة له، وعليه أن يجتهد في تعلم لغته، وقد علل موسى (عليه
السلام) استعانته بهارون (عليه السلام) بأنه أفصح
لسانا، قال الله تعالى {وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني}
(القصص:34)، وبجانب فصاحة المعلم، يجب أن يكون فطنا ذكيا، لأنه سيتعرض لمواقف لا
يخرجه منها إلا فطنته وذكاؤه، والأمثلة على ذلك كثيرة في السيرة النبوية الشريفة،
ففي غزوة بدر رد الرسول (صلى الله عليه وسلم) على الرجل
الذي سأله ممن أنتما؟ قائلا له: «من ماء»، كما أجاب أبو بكر الصديق
(رضي الله عنه) عن تساؤل المشركين عن الرسول
(صلى الله عليه وسلم) وهما في طريق الهجرة، وكانوا لا
يعرفون الرسول (صلى الله عليه وسلم) فقال له: «إنه
يهديني الطريق» فنعمت الفصاحة والفطنة.