2010-09-03

 532

 

 


نمط السلوك التربوي في المؤسسات الغربية (العدد : 530)

في زمن الحرب الباردة بين طرفي الثقافة الغربية الحديثة (أميركا الرأسمالية والاتحاد السوفييتي سابقا)، ارتفعت الأصوات من داخل الولايات المتحدة الأميركية مطالبة بضرورة إعادة النظر في المناهج التربوية والسياسة التعليمية السائدة لأنها لم تحقق أهدافها، وأجريت بحوث كثيرة تحت شعار «أمة في خطر»، وخطر هذه الأمة آنذاك السبق السوفييتي إلى غزو الفضاء، فتم تعديل النظام والرؤية التربويين، ولكن بعد أقل من أربعين سنة من ذلك ثبت عدم جدوى هذه الرؤية المعدلة وذلك النظام، فتكونت لجنة «الإشراف وتطوير المناهج» سنة 1980م، وشرعت في تطوير أهداف تربوية تكون أساسا للتربية في ولايات أميركا الخمسين، وقد تنعقد هذه اللجنة بعد سنوات أخرى لإعادة النظر في الفلسفة التربوية العامة لهذا البلد قبل المناهج والأهداف، ويتكرر هذا الأمر في الدول ذات الثقافة الغربية، وبغض النظر عن التفوق الذي تحقق تربويا على مستوى الفاعلية والإنتاج المادي، تبقى مشكلة تحديد الأهداف التربوية العامة التي تتجسد في التساؤلات التالية:

- ما أنماط السلوك العقلي والاجتماعي والشخصي المرغوبة في الأفراد الذين يجتازون المراحل العلمية التربوية؟
- هل بعض أهداف التربية التي ترغب التربية المدرسية في تحقيقها تتناقض فطريا مع مبادئ التربية الإنسانية؟
- كيف يحدد ما هو إنساني وغير انساني من أهداف التربية؟
- هل تتصف أية قائمة أهداف تربوية بالشمول والطابع الإنساني؟
ورغم التفوق، فإن هذا لا يمنع من القول: إن البحث التربوي في الثقافة الغربية لم يصل بعد إلى حل جذري لأزمة الأهداف التربوية، وإن مضاعفات هذه الأزمة مازالت تتفاعل في أماكن التطبيق التربوي والمجتمعي.
وقد لا يكون مجازفة فكرية أو جنوحا عاطفيا، للنقد قبل النضج، أملته النظرية التآمرية، نسب هذه الأزمة إلى إحدى هذه العوامل أو كلها مجتمعة:
أ- طبيعة الإنسان الغربي المتحولة وغير الثابتة والناتجة عن حركة العلمنة الشاملة للحياة، وتصاعد معدلات الحلول والتفكك الفكري الذي بدأ نهاية القرن الماضي، فكانت الحلولية الكونية الذاتية (1)، التي تعني أن المبدأ الوحيد المنظم للكون ليس مفارقا أو متجاوزا له، وإنما هو كائن كامن حال فيه لا ينفصل عنه، فهي فلسفة تعتبر الكون (الإنسان والطبيعة) مرجعية بذاته، فكانت قاصمة الفكر الغربي الذي انتهى في نهاية المطاف إلى التفكير في تعدد المراكز وتغييب اليقينيات والمسلمات وسيطرة النسبية وإسقاط كل شيء في قبضة الصيرورة، الأمر الذي أفضى إلى التفكك واللامركزية في الكون وهو ما أفرز عقيدة «كل شيء خاضع للتجريب»، حيث تعبتر التفسير المعرفي والمنهجي الوحيد للحركة الفكرية الغربية بتضاربها ولإثباتها، حتى لو كان الأمر يتعلق بالتربية والتعليم كما هما صناعة للإنسان، فنظرة الإنسان الغربي لنفسه وللآخر هي التي جعلته يتخبط هذا التخبط في رسم التوجهات والأهداف التربوية لمجتمعه.
ب- إن الأزمة الشديدة في الميدان التربوي التي أدت إلى الخلاف والاختلاف الحادين حول أهداف عامة للتربية- ضرورتها وماهيتها- سببها غياب فلسفة تربوية محددة تنبثق منها أهداف محددة كذلك (2)، وفي غياب هذه الفلسفة التي تعتبر أرضية مشتركة للبحث التربوي، يصعب الاتفاق على منظومة مشتركة للأهداف التربوية، وغياب تلك الفلسفة التربوية راجع إلى غياب فلسفة كلية للحياة والإنسان والكون والمنشأ والمصير، أو على الأقل في حالة وجود هذه الفلسفة أو إفلاسها وفشلها في تحديد رؤية معرفية وأرضية فلسفية تناسب الإنسان كما هو إنسان، وليس كما هو إنسان أوروبي، وهذه الأرضية المعرفية هي التي أنتجت النموذج التربوي الغربي، الذي يعيش أزمة الأهداف المتجلية أساسا في تخريج نماذج إنسانية آلية لا أهداف عليا لها في الحياة إلا الإنتاج والاستهلاك، أو نماذج إنسانية منقسمة على نفسها أو مغتربة عن الحياة كلها، دون أن نتحدث هنا عن مشكلة الفكر التربوي الغربي على مستوى صياغة كل من الأهداف التربوية العامة والأهداف التعليمية السلوكية بشكل يحقق التوافق المنطقي بينهما لتشكل جميعها قائمة أهداف تبدأ بالفرد وتنتهي بالانسانية لتشمل المهارات العملية والأخلاق الفردية ولا تضيق بالأخلاق الاجتماعية والقيم والتطلعات العليا للإنسانية مادامت مجرد أعراض عملية واقعية لتلك الأزمة الفلسفية.
وهذا العقم الذي أصيبت به التربية الغربية في توفير هذه الأصول الفلسفية المعرفية جعلت «جون وايت» يقول: «إن فلاسفة التربية منذ قرون يعملون للوصول إلى تعريف محدد شامل للتربية وأهدافها، ولكنهم لم يصلوا بعد إلى شيء، والسبب أن البحث نحو تحديد معنى التربية يتضمن كذلك البحث في أهدافها، والبحث في أهداف التربية يتضمن البحث في معناها» (3).
ثم نادى بضرورة فهم نفسية الطفل وأكد على أهمية الانطلاق منها، فأهداف التربية عنده كامنة في النفس، والذين يستطيعون كشف هذه الأهداف هم الخبراء بهذه النفس، ولو انطلقنا من هذا المقياس لوصلنا إلى وضع الأصبع على جذور الأزمة المنهجية والفكرية، وهو الجهل المركب بخيوط النفس البشرية وتكويناتها وبآليات اشتغالها، وإن المرجع الأول لمعرفة النفس الإنسانية هو الله الذي خلقها وأودع قدراتها وخصائصها، وإلى هذا المنهج يوجه القرآن الكريم في أول آية ابتدأ بها الوحي: {اقرأ باسم ربك الذي خلق. خلق الإنسان من علق. اقرأ وربك الأكرم. الذي علم بالقلم. علم الإنسان ما لم يعلم} (العلق: 1-5).
وبناء عليه، فإن مشكلة التربية في الغرب على مستوى الأهداف والغايات تتحدد في أمرين:
الأول: اقتصار الأهداف على مستوى الأثر المادي الذي يسهم في تقدم الحضارة المادية أو وسائل الحياة وأدواتها ومعارفها، ولا يرتقي إلى مستوى اليقين المفضي إلى شكر الله وعبادته، والسبب هو افتقار التربية الحديثة إلى الذكر الإلهي الصحيح الذي يرشد المسيرة التربوية إلى مقاصد الحياة وغاياتها، ويتجسد هذا النقص في الأزمة الروحية والخواء النفسي الذي يعاني منه الإنسان الغربي بشكل عام، وفي تصور هذا الإنسان للإنسان وأدواره وطبيعة العلاقات معه سواء داخل المجتمع أو خارجه.
الثاني: ميدان البحث العلمي في موضوعات الفلسفة التربوية بصفة خاصة، الذي يعتمد على الانتقائية أي اصطفاء حسنات النموذج الأميركي والتركيز على سلبيات ما عند غيرهم دون إيجابياته مما يحول دون البحث الموضوعي والرؤية الصحيحة وتجعل الخبرات المتكونة غير نافعة (4).
يضاف إلى هذا وذاك مما ذكر لشرح وفهم أصول الأزمة التربوية في الغرب، أن قيام المؤسسات والأنظمة التربوية الغربية في البدء كان رد فعل انفعالي لقطع الصلة مع التفكير الكنسي والعقائد الدينية بصفة عامة «التي تعالج (المنظومة الفكرية) لا باعتبارها خبرات رفيعة مهمتها الإسهام في رقي الإنسان وتصويب مسيرته عبر الحياة نحو المصير، وإنما باعتبارها معرفة من أجل القوة، فالدراسات الإسلامية مثلا، (بهذا المنطق) تعالج على أنها دراسة استراتيجية رافدة للسياسات الخارجية من أجل السيطرة والهيمنة على تمزيق الأمة الإسلامية المعاصرة» (5)، فجاءت الاجتهادات الفكرية التربوية في هذا الباب مطبوعة بالطابع المادي العلماني الشمولي، نافضة يديها من أي نظرة دينية، ترفض إقحام التفسيرات الغيبية على البرامج والأهداف والتطبيقات التربوية، وهو ما يفسر عزل المؤسسات التربوية عن المدنية في كل شيء، إن لم نقل- بدون مجازفة- ان الأولى اختراقها للتخفيف من حدة ارتباط الدين بالحياة المدنية العلمية.
ومع تزايد نسب التقدم المادي المبهر للغرب، تتزايد معدلات العلمنة التربوية وتحسر العمل التربوي- تنظيرا وتطبيقا- عن ميادين الأخلاق والقيم والعقيدة، مما أدى إلى ضعف انتماء الخريج الحديث لتاريخه وحضارته، وإلى إهمال الأهداف العامة (الغايات والمرامي) لصالح الأهداف التعليمية (أي العناية بالوسائل دون الغايات) وكل ذلك يتم باسم التربية الحرة، والتي تترك الحبل على الغارب في تربية الطفل اعتمادا على أن النمو الطبيعي وحده سيوصله إلى الخير فقط، فإذا بها تخرج أجيالا فيها من الخير بقدر ما فيها من الشر، «بل أصبحت المدرسة التي تطلق لتلاميذها الحرية بدون قيود مزرعة للشرور، فيها يتدرج التلميذ في التعرف على الموبقات التي تميل إليها شهواته، وبتشجيع من رفاقه بدءا بالتدخين إلى الإدمان على المخدرات إلى الحرية الجنسية، وما جرته من الأمراض الجسدية والاجتماعية... إلخ» (6)، ولأن هذه النظم التربوية رغم تسميتها بالحرة فإن ابتغائها «التطبيع الاجتماعي» وسعيها إلى «الاندماج الاجتماعي» اعتمادا على إكراه الناشئة على السير في الطريق الذي يرسمه المتجمع من جهة، ثم من جهة تجاهلها للميولات المتناقضة المبتوتة في النفس البشرية وجهلها لدور التربية في التزكية، وإعطاء كل نزعة من نزعات النفس حقها دون زيادة أو نقصان، أدى ذلك إلى الفشل الذريع لهذا النوع من التربية، «وكان من ذلك انفجار المعسكرات الشيوعية على نفسها باعتمادها على الضغط الاجتماعي وتأليه الجماعة» (7)، ثم تخريج أفواج من المنشطرين نفسيا والممزقين اجتماعيا رغم قوتهم على مستوى الفاعلية المادية والاستهلاكية، فوجدت أجيال الغرب نفسها تعيش في تجمعات وأكوام بشرية مجردة من الروابط والانتماءات، إلا ما كان من روابط المصالح المتذبذبة والآنية الموقوتة، والطامة الكبرى أنه يعيش في اغتراب حضاري متوحش غذته الفلسفات المعروفة أرضيتها المعرفية والمنهجية، من أمثال الداروينية الاجتماعية القائمة على «البقاء للأقوى»، والتي بررت عمليات القتل للآخر (الإنسان غير الأبيض)، بل أدت إلى التطاحن حتى داخل دول الغرب نفسها، ولعل من أعراض هذه الأزمة الفكرية والتربوية المتجذرة في فكر ومؤسسات الغرب، الانهيار الكلي لنظم الثقافة، والقيم الإنسانية المعنوية، فصار إنسان الغرب يعيش ما يسميه علماء النفس والاجتماع بالاغتراب والشعور بالضعف والاحساس بالاحباط وخيبة الأمل والمعاناة من عدم الانسجام التي أدت إلى الشذوذ في الحياة والسلوك.
وبعد، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون هذه النتائج تصويرا تآمريا للمجتمعات الغربية على أنها مستودعات للانهيارات الفكرية والهزات الأخلاقية والازمات التربوية والأمراض النفسية، كما لا نسمح لانفسنا أن نعتبرها مقدمة للتبشير بانهيار الحضارة الغربية القائمة كبداية للتخلص من النفوذ الغربي المتعدد الجبهات (الفكرية، والثقافية، والسياسية، والاقتصادية، والعسكرية) بقدر ما يعتبر ذلك وصفا لواقع الغرب التربوي يتحرى ما أمكن الدقة في الاستقراء والموضوعية في الوصف، فالنتائج السالفة الذكر، أفرزها الواقع الغربي ولكنها تنطبق بشكل كامل على الواقع التربوي العربي والمسلم المعاصر جراء التبعية الفكرية والمنهجية والتقليد التربوي، فغالب النظم التربوية ومؤسسات التعليم في بلدان العالم الإسلامي أنشئت على النمط الأوروبي والأميركي، ولذلك مازالت مغتربة ثقافيا وتربويا عن واقعها ومازالت عاجزة عن تخريج أفواج تتعامل مع واقعها وتقدم الحلول لحضارتهما فكيف لحضارة الآخرين، هذا إن لم تكن تعيش انفصاما نفسيا وانشطارا ثقافيا.
لذلك نبادر إلى القول: إن غياب وحدة المرجعية الصلبة في الثقافة والفكر الغربي بالاضافة إلى ما سبق ذكره، هو الذي يفسر هذا التضارب في أهداف التربية، وابراز مثل هذه الأهداف يحتاج إلى اصول محددة تتمثل في فلسفة تربوية شاملة وواضحة تنبثق من فلسفة كلية للإنسان والكون والحياة والمنشأ والمصير.



بقلم الكاتب:  د.أحمد نصري

عدد القرآء: 949


الصفحة الرئيسية

الافتتاحية

أنشطة


مناسبات

حوار

رثاء

ملف العدد

دعوة

تراثنا

إصبعي السادسة

لغة وأدب

أنباء الكتب

فنون

رؤية

قيم

فكر

قراءة

ظاهرة

أسرتي

بريد القراء

منسيون

أعلام

منارات

ترجمات

جديد المعرفة

فتاوى الوعي

ينابيع المعرفة

مسك الختام

براعم الإيمان

      


 

مجلة الوعي الإسلامي - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - دولة الكويت