2010-09-03

 532

 

 


تعليم المتعلم طريق التعلم (العدد : 530)

العلم أشرف ما رغب فيه الراغب، وأفضل ما طلب وجدَّ فيه الطالب، وهو من أنفس ما قضيت فيه الساعات، ومن أغلى ما صرفت فيه الأوقات، قال الله تعالى: {قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون} (الزمر:29)، وقال سبحانه {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون} (العنكبوت:43).

وقال معاذ بن جبل (رضي الله عنه) «تعلموا العلم، فإن تعلمه لله خشية، وطلبه عبادة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقة».
وكان عبدالله بن مطرف، رحمه الله، يقول: «إنك لتلقى الرجلين أحدهما أكثر صوما وصلاة وصدقة، والآخر أفضل منه بونا بعيدا»، قيل له: وكيف ذاك؟ فقال: «هو أشدّهما ورعا لله عن محارمه»، وما ذاك إلا بسبب العلم، فإنه الهادي بإذن الله إلى البصيرة في الدين.

طريق التعلم


لمّا كان طلب العلم بهذه الأهمية، كان لابد من مراتب يجدر التنبيه إليها لمن سلك طريقه، وذلك أن كثيرا من طلبة العلم في هذا الزمان يجدُّون إلى العلم ولا يصلون، ومن منافعه وثمراته يحرمون، لِما أنهم أخطأوا طرائقه وتركوا شرائطه، وكل من أخطأ الطريق ضل، فلا ينال المقصود قلَّ أو جلّ.. وهذه المراتب بعد إخلاص النية لله تعالى، هي:
المرتبة الأولى: الأدب
ذلك أن العلم شرف لا قدر له، والأدب مال لا خوف عليه، وكما قيل: لأنت إلى باب من الأدب أحوج منك إلى سبعين بابا من الفقه.
ولقد كان أئمة الهدى في الصدر الأول، كما قال ابن سيرين رحمه الله: «كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم»، وكما قال الحسن رحمه الله: «إن كان الرجل ليخرج في أدب يكسبه السنين ثم السنين».
وهذا أحد العقلاء يوصي بعض بنيه بقوله «يا بني.. لأن تعلّم بابًا من أبواب الأدب أحب إليّ من أن تتعلّم سبعين بابا من العلم».
ولقد أدرك العلماء أهمية هذه المرتبة حتى قال مخلد بن الحسين للإمام عبدالله بن المبارك: «نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث».
وقد لخّص بعض الحكماء هذا الأمر بقوله: «اطلبوا الأدب، فإنه عون على المروءة، وزيادة في العقل، وصاحب في الغربة، وحلية في المجالس».
وهناك آداب لابد أن يتحلى بها طالب العلم في نفسه، منها:
- دوام مراقبة الله تعالى.
- صون العلم كما صانه علماء السلف.
- التخلق بالزهد في الدنيا والتقلل منها.
- تنزيه العلم عن جعله سلّما يتوصل به إلى الأغراض الدنيوية من جاه أو مال أو سمعة أو شهرة أو تقدم على أقرانه.
- تنزيه العلم عن دنيء المكاسب ورذيلها طبعا، وعن مكروهها عادة وشرعا.
- المحافظة على القيام بشعائر الإسلام وظواهر الأحكام.
- المحافظة على المندوبات الشرعية، القولية والفعلية.
- معاملة الناس بمكارم الأخلاق.
- تطهير الباطن والظاهر من الأخلاق الرديّة وتعميره بالأخلاق الرضيّة.
- دوام الحرص على الازدياد بملازمة الجد والاجتهاد، والمواظبة على وظائف الأوراد.
المرتبة الثانية: التدرج في طلب العلم
قال ابن خلدون رحمه الله: «اعلم أن تلقين العلوم للمتعلِّمين إنما يكون مفيدا إذا كان على التدرج».
وقال الغزالي رحمه الله: «لا يخوض في فن حتى يستوفي الذي قبله، فإن العلوم مُرتبة ترتيبا ضروريا، وبعضها طريق إلى بعض، فالموفق من راعى ذلك الترتيب والتدرج».
وقال الماوردي رحمه الله: «اعلم أن للعلوم أوائل تؤدي إلى أواخرها، ومداخل تفضي إلى حقائقها، فليبتدئ طالب العلم بأوائلها لينتهي إلى أواخرها، وبمداخلها لتفضي إلى حقائقها، ولا يطلب الآخر قبل الأول، ولا الحقيقة قبل المدخل».
وقال الحافظ ابن حجر: «تعليم العلم يجب أن يكون بالتدريج».
وقالوا: من رام العلم جملة ذهب عنه جملة، لأن ازدحام العلم في السمع مضلة الفهم.
وقال الإمام ابن شهاب ليونس بن يزيد رحمه الله: «يا يونس، لا تكابر العلم! فإن العلم أودية، بأيها أخذت فيه قطع بك قبل أن تبلغه، ولكن خذه مع الأيام والليالي، ولا تأخذ العلم جملة، فإن من رام أخذه جملة، ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي».
المرتبة الثالثة: التلقي من العلماء الربانيين
فلا بدّ من التأصيل والتأسيس لكل فن تطلبه، بضبط أصله ومختصره على شيخ متقن، لا بالتحصيل الذاتي وحده، وينبغي على الطالب المجد أن يختار من العلماء الأعلم والأورع والأسن، وأن يشاور الناصحين حتى لا يحتاج إلى تركه والاعراض عنه، وعليه أن يثبت عنده حتى يكون التعلم مباركا منتفعا به.
قال الشاعر:

أخي لن تنال العلم إلا بستة
سأنبيك عن تفصيلها ببيان
ذكاء وحرص واجتهاد وبلغة
وصحبة أستاذ وطول زمان

ولابد في العلم من الشيخ والإسناد، لأن من لم يشافه عالما بأصوله، فيقينه في المشكلات ظنون، ومن دخل في العلم وحده خرج منه وحده.
قال العلماء: من كان شيخه في العلم كتابه، كثر خطؤه وقل صوابه.
وقالوا: لا تأخذ العلم من صُحفيِّ، ولا القرآن من مصحفي.
قال الشاعر:

إذا رمت العلوم بغير شيخ
ضللت عن الصراط المستقيم

وقال الشيخ العلامة محمد بن سليمان الجراح رحمه الله:

فلابد من شيخ يريك رموزها
وإلا فنصف العلم دونك غائب

المرتبة الرابعة: حفظ العلم
العلم هو الحفظ، والجهابذة يقولون: «احفظ فكل حافظ إمام» لأنه لايكون المرء راسخا في العلم بدون حفظ أصول العلم، وكما قال بعض العلماء «حرف في القلب خير من عشرة في كتبك».
يقول أهل العلم: «من حفظ المتون حاز الفنون».
وقال آخرون «ليس بعلم ما حوى القمطر ما العلم إلا ما حواه الصدر».
ولا خير في علم لا يعبر الوادي ولا يعمر بك النادي.
وخير العلوم ما ضبط أصله واستذكر فرعه وقاد إلى الله تعالى.
قال الشاعر:

إذا لم تكن حافظا واعيا
فجمعك للكتب لا ينفع

وهذا الإمام الشافعي رحمه الله يقول:

علمي معي حيثما يممت يتبعني
قلبي وعاء له لا بطن صندوق
إن كنت في البيت كان العلم فيه معي
أو كنت في السوق كان العلم في السوق
وقيل:
أُخيًّ لا تكسل ولا تهمل الدرس
ولا تترك التكرار فيما حفظته
فمن ترك التكرار لابد أن ينسى

المرتبة الخامسة: الفهم
«من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين».
قال العلماء: «من لم يتقن الأصول حرم الوصول»، وإنما يكون الإتقان بالفهم، فهو مطية الاجتهاد وطريق السداد في تحصيل العلم ونشره، ومن تنكب جادة الفهم لم ينتفع بما يحفظ، ولعل محفوظاته تكون وبالا عليه!
وقال الإمام أحمد رحمه الله:
«يعجبني أن يكون الرجل فِهما في الفقه»

الفقه أساس العلوم

ليس علم من العلوم اعتنى به العلماء عناية تامة على توالي القرون مثل الفقه الإسلامي، فقد كان العلماء يطلبونه بروية وصبر وفق منهج معين.
قال الإمام أحمد رحمه الله: «يعجبني أن يكون الرجل فهما في الفقه»، وقال «معرفة الحديث والفقه فيه أعجب إليّ من حَفظه»، وعنه رحمه الله أنه عاب على محدِّث لا يتفقه.
وقال ابن الجوزي رحمه الله: «بضاعة الفقه أربح البضائع»، وعنه: «الفقه عمدة العلوم»، وقال رحمه الله: «الفقه عليه مدار العلوم»، وعنه: «إن اتسع الزمان للتزيد من العلم فليكن من الفقه فإنه الأنفع».
والعلماء يأخذون من كل فن من العلم مهمَّه، ثم يجعلون جلّ اشتغالهم بالفقه لأنه سيد العلوم.

طريق تعلم الفقه

الطريقة المثلى في طلب الفقه هي ما كان عليه الأئمة- رحمة الله عليهم- حيث كانوا يتفقهون على أحد المذاهب الفقهية الأربعة المتبوعة المعتبرة، وإنما كانت طريقة دراسة الفقه وفق المذاهب الفقهية المعتبرة هي أمثل الطرق:
- لأن المذاهب الأربعة هي التي حفظت العلم، ونقلته صحيحا مرتبا، بعد أن استوفت النظر في نصوص الكتاب والسنة.
- ولأنها كذلك الطريقة التي يؤول سالكها بعد عون الله تعالى له إلى باب الاجتهاد بعد أن يكون حصل آلته واستجمع أدواته، إذ باب الاجتهاد مفتوح إلى يوم القيامة، ويتفضل الله به على من شاء من أهل العلم الربانيين.
- ولأن هذا السبيل يؤصل لفكرة طالما نادى بها الأئمة، وهي سعة الخلاف، وأن ما اشتهر من تعارض بعض الاجتهادات إنما هو من الرحمة التي بثها الله تعالى في هذه الأمة، وأن ذلك لم ينشأ بين الأئمة لهوى بينهم، وانما هو من تفاوت نظراتهم وتنوع فهومهم للنصوص.
هذه الطريقة هي التي تقدم التوجيهات النافعة التي تنير الطريق وتكشف الحقائق، وتسهم في علاج الأمراض، فتهدي إلى الحق، وتدل على الرشد، وتطهر القلب وتزكيه.
وهي الكفيلة بالقضاء على المعضلة والآفة التي طالما صدت عن العلم الصحيح، وانحرفت بطلاب العلم عن الطريق المستقيم، فقطعوا الأوقات وأضاعوا الأعمار فيما لا طائل منه، فكانوا كالمنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.
إذن فثمرة هذه الطريقة مواجهة تلك الظاهرة التي مازالت تلقي بظلالها في قلوب بعض الناشئة، وتتجدد على مر العصور، ليكون طلاب العلم على بصيرة من أمرهم، وليدفعوا هذه الأخطار عن أنفسهم.
ولا ريب أن الله تعالى حفظ هذا الدين للأمة حفظا لم يكن لدين قبله، ذلك أن هذه الأمة ليس لها نبي بعد نبيها (صلى الله عليه وسلم) يجدد ما دثر من دينها كما كان للأمم الأخرى ممن كانوا قبلنا، فتكفل الله سبحانه بحفظ هذا الدين، وأقام له في كل عصر حملة ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين.
فاقتضت حكمته جل وعلا ضبط الدين وحفظه، فنصب للناس أئمة مجتمعا على علمهم ودرايتهم وبلوغهم الغاية القصوى في مرتبة العلم بالأحكام والفتوى، فصار الناس كلهم يعوِّلون في الفتاوى عليهم، ويرجعون في معرفة الأحكام إليهم.
وأقام الله تعالى من يضبط مذاهبهم، ويحرر قواعدهم، فضبط مذهب كل إمام من حيث أصوله وقواعده وفصوله، حتى ترد إلى ذلك الأحكام، ويضبط الكلام في مسائل الحلال والحرام، وكان ذلك من لطف الله بعباده المؤمنين، ومن جملة عوائده الحسنة في حفظ هذا الدين.
ولولا ذلك لرأى الناس العجب العجاب، من كل متكلف معجب برأيه جريء على الناس وثاب.
فلا تقضي المصلحة غير ما قدره الله وقضاه من جمع الناس على مذاهب هؤلاء الأئمة المشهورين، رضي الله عنهم أجمعين.
وعلة المنع من ذلك أن مذاهب غير هؤلاء لم تشتهر ولم تنضبط، فربما نسب إليهم ما لم يقولوه، أو فهم عنهم ما لم يريدوه، وليس لمذاهبهم من يذب عنها، وينبه على ما يقع من الخلل فيها، بخلاف هذه المذاهب المشهورة.

ذم التعصب

كل هذا مع الأخذ في الحسبان أن التعصب المذموم للمذاهب أمر منهي عنه شرعا وعقلا، ولذلك لا يفهم من هذه الطريقة المقررة مناصرة التعصب المشؤوم، وإنما غاية ما ترمي إليه اقتفاء سبيل العلماء في أخذ العلم على منهاج المدارس الفقهية الأربعة المشتهرة.
فمن يدعو الناس إلى نبذ التمذهب للأئمة الأربعة المتبوعين فإنما يدعوهم في حقيقة الأمر إلى فوضى العلم وضياع الفقه، والذي يدعوهم إلى التفقه دون نظر إلى كلام الأئمة الفقهاء، ودون اعتبار لمدارسهم الفقهية، زعما أنه لا حاجة إلى ذلك، وحسب طالب العلم أن يطالع النصوص الواردة في الكتاب والسنة وسيستفيد منها الأحكام مباشرة وبلا واسطة أحد.. هذا الداعية على خطأ واضح، لأن دعواه تؤدي إلى اختلال نظام الدين، في ظل ضعف العلم وانحسار المعرفة وغلبة الهوى وقلة الدين والورع.



بقلم الكاتب:  التحرير

عدد القرآء: 799


الصفحة الرئيسية

الافتتاحية

أنشطة

مناسبات

حوار

رثاء

ملف العدد

دعوة

تراثنا

إصبعي السادسة

لغة وأدب

أنباء الكتب

فنون

رؤية

قيم

فكر

قراءة

ظاهرة

أسرتي

بريد القراء

منسيون

أعلام

منارات

ترجمات

جديد المعرفة

فتاوى الوعي

ينابيع المعرفة

مسك الختام

براعم الإيمان

      


 

مجلة الوعي الإسلامي - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - دولة الكويت