2010-09-03

 532

 

 


من أجل فهم عميق لمفهوم الثقافة الإسلامية الأصيلة (العدد : 530)

تشهد المرحلة الراهنة تحولات ومنعطفات دقيقة، وخطيرة في الوقت نفسه، أملتها طبيعة المسار الحضاري الذي تقطعه الإنسانية جمعاء بموازاة التقدم الكبير الذي تعرفه المعارف والعلوم، خاصة تلك المتعلقة بالوسائل المعلوماتية من جهة، وما لحق بالنظام العالمي من تبدلات على مستوى الزعامات والقيادات، باندثار علاقات الأقطاب وتمركز السيادة والقوة في قطب الليبرالية الجديدة، التي أخذت على عاتقها تحويل مسار الأمم والشعوب في اتجاه محدد يصهر الحضارات والثقافات ويعبّد الطريق، بكل الوسائل، لتحقيق المفهوم الليبرالي- الإمبريالي للعولمة، باعتبارها الوسيلة الجديدة لتصفية كل ما من شأنه الحفاظ على الهوية وتمكين الأمم من اكتساب شروط الممانعة المطلوبة، من جهة أخرى.

لقد استطاعت سياسة العولمة الجديدة اختراق الحصون وترسيخ المفهوم الجديد للعلاقات الدولية وقتل العديد من الشعوب الرافضة لسياسة الهيمنة، ومن ثم تذويب وصهر كل أشكال الانتماء والإحساس بالهوية والذاتية، فأسهمت بذلك في تحقيق نوعين من الأزمات الخطيرة التي تعاني منها الشعوب المستضعفة والمغلوبة على أمرها، والمقصود بذلك، الاستلاب والاغتراب.
وقد تمكنت من تحقيق هذه النتيجة- التي نلمسها في حياة كثير من الناس- بفعل عوامل عدة، أسهم في تكوينها ضعف الأمة وتخاذلها وتواطؤ قيادات سياسية مع المشروع الكبير للعولمة والتغريب، فلولا قابليتها لتبني واحتضان الاستلاب والاغتراب ما استطاعت المنظمات الاستعمارية الجديدة تحقيق ما حققته اليوم من نتائج كرست من تقسيم الجغرافية البشرية والاقتصادية، وجددت من استنزاف خيرات الشعوب، التي طالما جاهدت من أجل الحرية والديموقراطية والكرامة والآدمية.
في ظل هذه التحولات تشهد الجغرافية الإسلامية نهضة ملحوظة للثقافة الإسلامية، نهضة تعكس رغبة جيل جديد من الأمة في نفض غبار مخلفات مرحلة الغفوة التي أضعفت فاعليتها وإنتاجيتها وقدرتها على التعاطي مع تطورات الواقع ومستجداته بالشكل الذي يجعلها غير قادرة على ممارسة وظيفتها في الشهود والإمكان الحضاريين، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار ما تعرفه المجتمعات الراهنة من تقلبات وتحولات سريعة، تحتم علينا أن نكون في مستوى التفاعلات الحضارية الراهنة، وفي مستوى الإسهام في صناعة أحداث التاريخ ومنجزاته، بل صنع القرارات الدولية المطلوبة.
من هنا يأتي حديثنا عن الثقافة الإسلامية وأثرها في تشكيل الحياة الإسلامية المطلوبة، ذلك أنه حينما تفقد الأمة الإسلامية مقومات هذه الثقافة، تتعرض لكثير من المحن الحضارية وتتلاشى فيها كل القدرات على الإبداع والإنتاج المطلوبين على المستويات كافة، بل تتعرض للجمود الفكري والثقافي والتحولات النفسية السلبية، من جراء ما يحدث في نفسية المسلم من صراع ينتج باستمرار من تدافع الأصالة والاستلاب، وما يلحق به من معاناة بسبب ما يحس به من ازدواجية في شخصيته الحضارية، التي تحاول التوفيق بين هويته الأصيلة ومتطلبات الحياة المعاصرة التي تتحكم في رسم تفاصيلها السياسة الدولية.
إن السؤال الذي يمكن طرحه هنا، ونحن نتداول واقع الصحوة هو هل نحن فعلا نعيش الثقافة الإسلامية الأصيلة؟ وهل باستطاعة المسلم المعاصر التغلب على المعيقات والعقبات، حتى تحل ثقافته الإسلامية محل الثقافة التغريبية؟ بل إلى أي حد يمكننا الحديث عن ثقافة إسلامية أصيلة معاصرة قادرة على تبني خيار المواجهة والممانعة من جهة، وخيار الشهود الحضاري والإمكان العمراني من جهة أخرى؟ خاصة أن الأمة الإسلامية أمة مكلفة شرعا، بتحقيق الخيرية والشهود على الناس كافة.
إن الحديث عن الثقافة الإسلامية الأصيلة حديث بالأساس عن الثقافة التي صاغها الإسلام، قرآنا وسنة، وذلك لما يتميز به، عقيدة وشريعة، من ميزات وخصائص تجعله قادرا على صياغة وتشكيل حياة المسلم على جميع المستويات، ولا أدل على ذلك مما تعكسه حياة المسلمين في الصدر الأول من الإسلام، الشيء الذي يجعلنا نجزم بأن المفهوم الحقيقي للثقافة الأصيلة لا يتحدد إلا من خلال الرؤية العامة لمنهجية الإسلام في بناء الإنسان والمجتمع معا، بناء يستطيع من خلاله الإنسان امتلاك الأدوات والوسائل المطلوبة لتسخير مكونات الكون من أجل بناء المجتمع الذي يتمثل أفراده مقاصد الشريعة الربانية والقيادة، والذي كان خير مثال على قدرة الإسلام على بناء حياة الإنسان المادية والمعنوية، وتقديم سلوكه وترشيده إلى المسار الصحيح الذي ينبغي أن يسلكه في حياته الخاصة والعامة.
إن حديثنا عن الثقافة التي بصرت الناس بحقيقة الرسالة الإسلامية ومقاصدها، وكونت لديهم القناعة بأحقية الأمة الإسلامية في قيادة الناس كافة، في عصر التيه والاستبداد والفساد الحضاري، قيادة تمكن الناس من العودة إلى الفطرة السليمة التي فطرهم الله تعالى عليها أول مرة، ومن ثم التخلص من كل ما يشدهم إلى عبادة الأوثان والأهواء، ويقربهم من فضاء الفهم العميق لوظيفتهم في الحياة، ومقاصد خلقهم وسبل تحقيق ماهيتهم باعتبارهم أشرف مخلوقات الله جل جلاله، ومن ثم معرفة سبل تحقيق وأداء أمانة الاستخلاف في الأرض وعمارتها العمارة الربانية التي تحفظ آدمية الإنسان وكرامته وتميزه عن باقي المخلوقات الأخرى، مع الأخذ بعين الاعتبار ما للعلاقة الوطيدة بين العقيدة والعمل الصالح من أثر في تحقيق هذه المهمة التكليفية، وإبراز المفهوم الصحيح للمسؤولية التي تعتبر من مكونات الشخصية المسلمة.
من هنا تتبين العلاقة الموجودة بين الإسلام، عقيدة وشريعة، وبين الثقافة الإسلامية، حيث تستمد هذه الأخيرة مقوماتها الأساسية من الإسلام نفسه، ومن السلوك النبوي المتميز، الشيء الذي يبين كذلك سمة العالمية التي تتميز بها الثقافة الإسلامية كونها خطاب الله عز وجل إلى الناس كافة، مما يعطي للثقافة الإسلامية تميزها عن باقي الأنماط الثقافية الأخرى التي تخص أجناسا محددة وأزمنة محددة وجغرافيات محددة، ولعل في ربانية الشريعة الإسلامية ما يجعل من الثقافة الإسلامية نفسها ربانية المصدر والمنهج والغاية، متى خولت لها القوة على صهر كل الثقافات الإنسانية الوضعية وجعلها ثقافة واحدة، الكل فيها سواسية إلا بالتقوى {يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (الحجرات:13).
فالفهم العميق لمفهوم الثقافة الإسلامية لا يتضح بالشكل المطلوب إلا إذا نظرنا إليه من خلال الأهداف العامة للإسلام، عقيدة وشريعة، والتي يمكن تلخيصها وتجميعها في سعي الشريعة الإسلامية إلى تحقيق إعداد الإنسان وتربيته وتهيئته لتحقيق وتمثل المعنى الصحيح لمفهوم الخلافة والاستخلاف في الأرض، حيث تتضح مقاصد هذه الخلافة في عمارة الأرض بالوسائل التي أوضحها وبيّنها الشرع القويم، لتكون معينا على التفكر في خلق الله تعالى كمدخل لمعرفة حقيقة الوجود ومقاصده التي تجمعها الآية الكريمة {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} (الذاريات: 56).
إلى جانب ما سبق تستمد الثقافة الإسلامية الأصيلة مقوماتها- على مستوى السلوك- من المنهج الإسلامي العام الذي حدد لتزكية النفس وتربية الذات، وتقويم السلوك والنيات، كلما أصابهما الانحراف والزيغ، ذلك أن الإسلام شرع لبناء الأخلاق بتفاصيلها، فاستوعب بذلك حياة الإنسان، وقدم نموذجا كاملا لحياته وسلوكه، على مستوى التفكير والتعبير والتدبير، لم تعرفه الفلسفات الإنسانية قط، ولن تعرفه، لأنها حياة وضع منهجها الله جل جلاله وبيّن تفاصيلها الرسول (صلى الله عليه وسلم)، وتمثلها الصحابة رضوان الله عليهم، فكانت بذلك مستجيبة لمقتضيات الفطرة السليمة والمتوائمة قال تعالى {ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} (النساء: 82).
وإذا كان الفهم العميق للمفهوم الصحيح للثقافة الإسلامية لا يتجلى إلا من خلال الفهم العميق للإسلام، جملة وتفصيلا، فإلى أي حد نستطيع تمثل هذا الفهم، في زمن نعيش فيه على وتيرة الغلبة للثقافة الغربية، رغم جهادنا ضد كل أشكالها من جهة، وسعينا بكل ما نملك من قوة نفسية ومادية إلى تمثل قيم الإسلام وتعاليمه من جهة ثانية؟
ذلك أن قولنا إننا أمة إسلامية يقتضي منا البرهنة فعليا على تمثلنا للإسلام، عقيدة وشريعة، فالانتماء إلى الإسلام ومصداقية الحديث عن الثقافة الإسلامية الأصيلة يقتضيان موافقة القول للعمل، ولن يتأتى هذا إلا بتصحيح مفهومنا للإسلام، وإلا فإن صحوة الجيل الجديد من هذه الأمة وتمسكه بالثقافة الإسلامية لن يوصلا إلى الغاية المطلوبة، عناية ببناء الفرد المسلم الذي يكون قادرا على بناء المجتمع المسلم الذي سيكون، بالضرورة نموذجا لبناء مجتمع الإنسان الذي سيتمثل فعلا حقيقة ومقاصد الاستخلاف وعمارة الأرض.
إننا في حاجة إلى تجديد فهمنا للمسار وتبصر العوائق وتصحيح النيات وتقويم السلوك، حتى يكون فهمنا للإسلام مؤسسا على نية الإخلاص لله جل جلاله، وإلا فإننا سنسقط فيما سقط فيه أصحاب الكتب السابقة الذين قال الله تعالى فيهم {أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض...} (البقرة: 85).



بقلم الكاتب:  د.عبدالعزيز انميرات

عدد القرآء: 2873


الصفحة الرئيسية

الافتتاحية

أنشطة

مناسبات

حوار

رثاء

ملف العدد

دعوة

تراثنا

إصبعي السادسة

لغة وأدب

أنباء الكتب

فنون

رؤية

قيم

فكر

قراءة

ظاهرة

أسرتي

بريد القراء

منسيون

أعلام

منارات

ترجمات

جديد المعرفة

فتاوى الوعي

ينابيع المعرفة

مسك الختام

براعم الإيمان

      


 

مجلة الوعي الإسلامي - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - دولة الكويت